يعدون ابن تيمية وهابيا) فحذفها الشيخ من المناهج وجعل محلها عقيدة الإمام ابن
أبي زيد القيرواني المالكي فبطل كيدهم واستمرت الإعانة جارية.
ثم بعد سنة جدد أولئك الشياطين الكرة فنجحوا وقطعت إعانة الأوقاف؛ ولأمر
آخر نذكره؛ لأن فيه عبرة للمسلمين قطعت إعانة المعارف أيضا، وذلك أن الشيخ
كان عضوا في إدارة المعارف بالبصرة، وكان قد بقي في المدارس الابتدائية بالعراق
درس ديني ودرسان في الأسبوع وهذه الدروس الدينية كلها لا تزيد على بضع
كراريس بقطع صغير في العقائد إجمالا والطهارة والصلاة والصوم والحج، وكانوا
يعينون لتدريس هذه الدروس عالما أو ملا كما يقولون من المتدينين أو المعممين كما
يسميهم المتنورون! ! ! فاجتمع هؤلاء المتنورون بنورة أعداء العروبة والإسلام
وقرروا تطهير المدارس من هؤلاء المعممين وأجمعوا على أن يعينوا بدلهم شبانا من
المتنورين، فعقدوا اجتماعا دعوا فيه الأستاذ الفقيد للحضور وعرضوا عليه هذا المكر
الذي بيتوه، وأضافوا إليه من سب المعممين والوقيعة بهم ما شاءت لهم النورة،
فامتنع الشيخ من الموافقة امتناعا كليا، وكان رحمه الله على ما فيه من الحلم النادر
إذا وصل الأمر إلى هدم الأصول يتصلب فلا تلين قناته لغامز، فجعل بعض
المتنورين يجادله فتكلم الشيخ وقال: أنا أعرف الشبان وأعرف المعممين فهبوا أنهم
بلغوا في البلادة والجمود كل مبلغ ولكنهم يعملون بما يعلمون، يعلمون التوحيد
وصفات الله وهم بها مؤمنون، وأما هؤلاء الشبان فإنا نراهم متى ذكروا العقائد بادروا
إلى السخرية التي لقنهم أعداء العرب والإسلام. ثم يعلمون أركان الإسلام وهم
يؤدونها، وأما هؤلاء الشبان فلا يتوضئون ولا يصلون ولا يصومون ولا يحجون،
فهل تظنون أن الإسلام لعبة يصح بمجرد الدعوى الفارغة! وبعد هذا انصرف من
مجلسهم فتسببوا في قطع الألفين اللذين كانت تعطيهما وزارة المعارف وبقيت
المدرسة على تبرعات المحسنين وقليل ما هم، فنقصت حتى صارت على الثلث،
وكم حاول قوم من الأعيان أن يقنعوا الشيخ بالخضوع إلى سلوك منهاج المعارف
والسير تحت مراقبة مفتشها وترد النفقات التي قطعت فأبى وجمع من يظن بهم
الإخلاص من المدرسين وخطب فيهم وذكرهم بما يجب عليهم من خدمة الأمة فقنعوا
كلهم أن يأخذوا ربع أو ثلث ما كانوا يأخذون من الرواتب ولا ينهزمون. وكان رحمه
الله قدوتهم في ذلك فإنه كان يأخذ في زمان ميسرة المدرسة 150 روبية فأنزلها إلى
50 وبقيت المدرسة عامرة إلى الآن، ولكنها لا تستطيع أن تقبل من الطلبة إلا نحو
نصف العدد الذي كانت تحويه من قبل. ومناقب هذا الإمام كثيرة يضيق هذا المقام
عن عشر معشارها.
توفي إلى رحمة الله ضحى يوم الجمعة 14 جمادى الآخرة سنة 1351 على
رأس ستين سنة كلها جهاد وصلاح وخير للمسلمين، ولم يتخلف عن جنازته أحد
من أهل الفضل من البلدين البصرة والزبير، ولو كانت البلاد محتوية على وسائل
النقل لحضر جنازته الجم الغفير من أهل نجد وأهل الخليج الفارسي وأهل العراق،
فالله يلهم ذويه الصبر الجميل ويخلفه على المسلمين وإن كان كما قال الشاعر:
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفر
ولكن الله يفعل ما يشاء.
(المنار)
لله در أخينا الأستاذ الهلالي أتى بخير خلاصة لترجمة هذا الإمام المصلح بأدق
عبارة وأجمعها للفوائد، وأنزهها في التعبير، ولا سيما موقف الرجل بين فريقي
الشيوخ الجامدين، والشبان المتفرنجين، اللذين يكاد يضيع الإسلام
بينهما، فالشيوخ على محافظتهم على التقاليد الخرافية المنفرة عن الإسلام
ومحاربتهم للإصلاح الديني والدنيوي لا يزالون يقومون بشعائر الإسلام وأركانه
علما وعملا، وبهذا فضلهم الشيخ رحمه الله على الشبان الذين ليس لهم من الإسلام
إلا الجنسية السياسية، وأسماء الأعلام ولكنهم يعنون بالإصلاح الإداري والسياسي،