تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن تشريعه وعن آدابه وفضائله على جمالها وكمالها، وزين لبعضهم استبدال

غيرها بها، وكيف السبيل إلى عطفهم عليها؟ وجذب غيرهم إليها؟ هذا ما تساءل

عنه مولانا الأستاذ شيخ الأزهر، ويمكنني الجواب عنه على قاعدة الأستاذ عثمان

مرتضى باشا في جماله، وقاعدة الدكتور شهبندر في سهولته وموافقته للفطرة.

إن جمال الإسلام ظهر للعالم كله في القرون الأولى بعلم دعاته وناشريه

وبيانهم لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبحكم خلفائه وأمرائه بين

الناس بعدل شريعته ومساواتها بينهم بالحق، ثم صار هذا الجمال يخفى ويتوارى

رويدا رويدا بهجر العلماء لتعاليم القرآن وبيان السنة له، واعتمادهم على تقليد

العلماء المصنفين، ولا سيما المتكلمين، وبظلم الملوك والأمراء، وتعاون الفريقين

على ظلم الناس والاستبداد فيهم، وطغيان الرياسة عليهم، ونكتفي بضرب المثل

في العلماء.

ضرب الإمام الغزالي مثلا لما وضعه علماء التقليد من الحجب بين الناس

وبين جمال الإسلام ونوره - وهي طبقات العلماء الخمس التي يذكرونها في رسم

المفتي - فشبه نور الشريعة من كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

بالشمس أشرقت بها الآفاق، ودخل نورها من كوة في حجرة فوقعت على مرآة في

الجدار المقابل لها، فانعكس النور عنها إلى الجدار الذي تجاهها، وانعكس نور هذا

الجدار إلى جدار يقابله في حجرة أخرى مظلمة فكان أضعف مما قبله، وتكرر

الانعكاس حتى إذا كان الأخير على جدار الحجرة الخامسة كان أهلها في ظلمة لا

يدركون فيها إلا أشباحا وشخوصا لا يدركون صفاتها ولا معارفها التي تتميز بها.

فهذا مثل من يزعم أن نور الله المشرق من سماء كتابه وسنة رسوله لا يدركه

كما هو إلا المجتهد المطلق، وأن من دونه المجتهد المنتسب يدرك شيئا كثيرا من

مرآته لا يستقل باقتباسه من شمسه نفسها، ومن دونه مجتهد المذهب، وتحته المقلد

الذي يميز بين صحيح الروايات وسقيمها في المذهب، ووراءه الذي يقدر على

ترجيح بعض الروايات والأقوال على بعض. وأما سائر الناس فهم أسرى وعيال

على هذه الطبقة السفلى، فالواجب عليهم تقليدها في نقلها، لا في فهمها ورأيها،

ويقول بعض محققي المتأخرين من فقهاء الحنفية المؤلفين: وهذه طبقة أمثالنا.

فأنى لمن أقام من وراء هذه الحجب كلها أن يدرك نور الإسلام فيرى فيه

جماله وكماله وجمال كل شيء به؟ وإذا كان لفقهاء الفتوى في النوازل العلمية

وقضايا المحاكم عذر في مراعاة هذه الرسوم لعجزهم عن الدليل، فهل لأحد

عذر أن يضربها أمام عقائد الدين، وقد قال السنوسي وغيره: إن التقليد فيها غير

جائز، أو يضربها أمام فضائله وآدابه وأحكامه القطعية التي لا مجال للاجتهاد فيها؟

لقد كان علو الإسلام جميع الأديان قائما على قاعدة الاستقلال في فهم حقيقته

وإدراك جماله، وما ضعف إلا بترك هذه القاعدة. ولكن تعليم المدارس العصرية

قائم على هذه القاعدة، ولا يمكن تثبيت المسلمين على دينهم في هذا العصر إلا

بجعل تعليمه قائما عليها أيضا؛ لأن من يتعلم كل علم مستقلا في فهمه يأبى أن يقلد

في دينه من يعترفون أن بينهم وبين كتاب الله وسنة رسوله أربعة حجب، وهم

الحجاب الخامس دونه.

ذكر لنا الدكتور شهبندر عن بعض حكماء الإفرنج اعترافهم بامتياز عقيدة

التوحيد الإسلامية على عقيدة التثليث النصرانية، وأن التوحيد يمكن أن يفهمه

ويقبله كل أحد من عوام الناس وخواصهم وبدوهم وحضرهم بخلاف التثليث، أليس

من البلاء أن يكون فساد التعليم الإسلامي قد أفضى بالمسلمين إلى خفاء عقيدة

التوحيد بالإعراض في بيانها عن آيات القرآن النيرة الواضحة إلى اصطلاحات

علماء الكلام المعقدة؟

مثال ذلك ما يلقنونه لطلبة العلوم الدينية في الأزهر وغيره من المدارس

الدينية المقلدة في أول كتاب يقرءونه لهم في العقائد وهو حواشي السنوسية الصغرى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٥٥