تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يكون هذا السلام في كل أذان؟ قالوا نعم فبات تلك الليلة وأصبح متواجدا يزعم

أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه وأنه أمره أن يذهب إلى

المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

في كل أذان، فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي

(وكان شيخا جهولا، وبلهانا مهولا، سيئ السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتا على

الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا يتحشم من أخذ البرطيل والرشوة. ولا يراعي في

مؤمن إلا ولا ذمة. قد ضري على الآثام، وتجسد من أكل الحرام، يرى أن العلم

إرخاء العذبة ولبس الجبة، ويحسب أن رضا الله سبحانه في ضرب العباد بالدرة

وولاية الحسبة. لم تحمد الناس قط أياديه، ولا شكرت أبدا مساعيه، بل جهالته

شائعة، وقبائح أفعاله ذائعة، أشخص غير مرة إلى مجلس المظالم، وأوقف مع من

أوقف للمحاكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح. حقق فيها شكاته عليه

القوادح، وما زال في السيرة مذموما، ومن العامة والخاصة ملوما) وقال له

رسول الله يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم: (الصلاة

والسلام عليك يا رسول الله) كما يفعل في ليالي الجمع، فأعجب الجاهل هذا القول،

وجهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بعد وفاته، إلا بما يوافق ما

شرعه الله على لسانه في حياته، وقد نهى الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن

الزيادة فيما شرعه حيث يقول: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به

الله} (الشورى: 21) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحدثات

الأمور) فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة، وتمت هذه البدعة، واستمرت

إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام، وصارت العامة وأهل الجهالة ترى

أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحل تركه، وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل

الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين

ماتوا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون) اه ما قاله

المقريزي بنصه:

هذا أصل هذه البدعة وسببها، وهو افتراء بعض الدجالين الخرافيين من أهل

الطريق على رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا أمر بها ذلك المحتسب الظالم

الفاجر بتعميمها. وحسبك ما كتبه العلامة المقريزي في إنكارها وتسفيه مبتدعها،

ولعله يعني بما زاده عليها بعض أهل الإلحاد في بعض قرى مصر من السلام على

بعض المعتقدين الذين ماتوا سلامهم على السيد أحمد البدوي. وقد انتقل هذا من

بعض القرى إلى الأمصار حتى القاهرة نفسها، وزيد على السلام عليه نداء السيد

ودعاؤه متصلا بالأذان أيضا. فقد سمعت مؤذن الفجر في أول دار سكنتها بمصر

يصيح بعد الأذان: يا شيخ العرب! مع كلمات لم أتبينها. وما كنت أعلم أن هذا

لقب البدوي.

إن شر مفاسد البدعة أنها بطول الزمان تعطى حكم السنة المشروعة، فيعد

فاعلها متبعا، ومنكرها مبتدعا، ويخترع أدعياء العلم العلل والشبهات لشرعيتها.

والقاعدة العامة عندهم لإثبات كل بدعة قولهم: (بدعة حسنة) وهو مصادم لنص

الحديث الصحيح الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله على المنبر: (وشر

الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم، وهو مجمع

على معناه في البدع الدينية، وإنما قال من قال من العلماء: إن البدعة تنقسم إلى

حسنة وسيئة في البدعة اللغوية، وهي ما يخترعه الناس ويضعونه من العلوم والفنون

والصناعات والأعمال، والأذان من العبادات التي يلتزم فيها الاتباع بإجماع السلف

والأئمة المجتهدين.

وقد عرف العلامة الشاطبي البدعة الدينية في كتابه الاعتصام بأنها (طريقة

في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله

سبحانه) ثم نقل عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: من ابتدع في الإسلام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٥٠