بعض المؤمنين وتحدثوا به، وقد كان كل ما ابتلي به من إفك المنافقين والكافرين
دون هذه الحادثة إيلاما له، حتى استشار من استشار في فراقها على علو مكانة
أبيها عنده، وسأل جاريتها بريرة هل رأت منها ما يريبها فحلفت إنها ما رأت ولا
علمت قط ما يريبها فيها، وكانت عائشة تبكي ليلا ونهارا ما يرقأ لها دمع وهي
موقنة أن الله سيبرئها قالت: ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل الله في شأني وحيا
يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في كلاما يتلى. ومكث صلى
الله عليه وسلم شهرا لا يوحى إليه حكمة منه تعالى، ثم نزلت آيات براءتها
المعروفة في سورة النور، فلو كان لاستعداده الشخصي صلى الله عليه وسلم تأثير
في نزول الوحي عليه، أو لو كان الوحي نابعا من نفسه من اعتقاد أنه من الله
تعالى كما زعم الزاعمون لما أبطأ عليه في هذه الحادثة، بل الكارثة العظمى.
(ي) تقدم أصح الأحاديث المرفوعة في نزول الوحي عليه صلى الله عليه
وسلم ورعبه منه في أول الأمر وأنه كانت تتغير حاله حتى يتفصد عرقا في اليوم
الشديد البرد، وأن وزنه كان يزيد في تلك الحال، وقد بينا أن ذلك من تأثير غلبة
الروحانية عليه باتصاله بجبريل الروح الأمين. وكان أصحابه يعرفون حين ينزل
عليه الوحي وهو معهم. قال عبادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه
الوحي كرب لذلك وتربد وجهه. رواه مسلم. وفي حديث الصحيحين والنسائي أن
يعلى بن أمية كان يقول لعمر: ليتني أرى النبي صلى الله عليه وسلم حين ينزل
عليه الوحي فلما كان بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به عليه جاءه الوحي فأشار
عمر إلى يعلى أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا هو صلى الله عليه وسلم
محمر الوجه يغط لذلك ساعة (أي مدة قليلة) ثم سري عنه ا. ه باختصار.
تأول هذا أعداؤه صلى الله عليه وسلم من الإفرنج وتلاميذهم بأنه كان يعرض
له نوبات عصبية وتشنجات (هستيرية) وما أبعد الفرق بين حاله تلك، وحالة
أولي الأمراض العصبية في المزاج فقد كان مزاجه صلى الله عليه وسلم معتدلا
ولعله إلى الدموي العضلي أقرب، وفي أعراضها وآثارها ونتائجها، فذو النوبة
العصبية يعرض له في أثرها من الضعف والإعياء البدني والعقلي ما يرثي له العدو
الشامت، وأما صاحب تلك الحالة الروحانية العليا، فكان يتلو عقب فصمها
وتسريها عنه آيات أو سورة كاملة من القرآن الذي بينا في هذا البحث بعض وجوه
إعجازه اللفظي والمعنوي، وما فيه من علم الغيب والحكمة والتشريع الذي لم
يعرف البشر له مثلا عن حكمائهم ولا عن أنبيائهم، ولا يرجى أن يعرفوا له نظيرا
في سائر أجيالهم؛ لأنه هو الذي ختم الله تعالى به النبوة وتعليم الوحي الأعلى،
ونحن لا نزال نتحدى به بقية البشر أن يأتوا بمثله، كما تحداهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم في عصره، وإنما المجنون بغروره وتعصبه يسمي هذا الكمال
العلمي الإصلاحي جنونا، إلا أن يجعل الجنون من أسماء الأضداد، أو يجعل اسما
لما فوق الإنسانية ودون الربوبية من الكمال.
(ك) قد علم مما ذكرنا من علوم القرآن، ومقاصده في ترقية نوع الإنسان،
أنه لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم يدري شيئا من مباديها، ولا من حاجة البشر
إليها، فضلا عن وسائلها وفروعها في العبادات الروحية الصحية الاجتماعية
والسياسية والإدارة، فمسألة الطهارة الإسلامية وحدها تدمغ أوربة في وثنيتها
ونصرانيتها وفلسفتها.
فنتيجة هذه المقدمات الإحدى عشرة أن القرآن وحي من الله تعالى ليس
لاستعداد محمد النفسي ولا التاريخي ولا اللغوي فيه شيء ما، وما كان إلا مبلغا له
كما تلقاه وليس معنى كونه كلام الله أن لله فما ولسانا نطق به، ولا أنه تمثل رجلا
فتكلم كما في التوراة وإنما معناه عندنا أنه تعليم من الله بصفة خاصة كما قال:
﴿الرحمن * علم القرآن﴾ (الرحمن: 1-2) وقال: {نزل به الروح الأمين *