حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} (الأنعام: 52) نزلت هذه الآيات الأخيرة في إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى
العناية بفقراء المؤمنين وعدم المبالاة بأغنياء قريش وكبرائهم الذين كانوا يحتقرونهم،
وكان من اجتهاده صلى الله عليه وسلم أن يستميلهم لظنه أنهم إذا آمنوا لا يلبث
جمهور العرب أن يقتدي بهم.
(ه) علم من هذا القرآن أيضا أنه كان حين يأتيه الوحي يخاف أن يتفلت
منه شيء فلا يحفظه فيعجل بتلاوته ليحفظه فخوطب حين عرض له هذا في أثناء
نزول سورة القيامة بقوله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه
وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه} (القيامة: 16-19) فكفل
له ربه جمعه له بالحفظ، وأن يقرأه كما ألقي إليه لا يفوته منه شيء، كما ضمن له
عدم نسيان شيء منه بقوله: {سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر
وما يخفى *} (الأعلى: 6-8) أي أنا قد عصمناك من نسيان شيء مما نقرئك
إياه بتلقين الملك، لكن إن شاء الله أن تنسى شيئا فإنك إنما تنساه؛ لأنه تعالى هو
الذي شاء ذلك لحكمة له فيه، لا لضعفك عن الحفظ وعروض النسيان الذي تخشاه،
وقد عصمك الله منه، وهذا الاستثناء المنقطع لا يدل على أنه تعالى شاء أن ينسى
شيئا منه بل هو كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: {ولا
أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} (الأنعام: 80) وقيل: إن
الاستثناء لتوكيد النفي، وقيل: إنه لما أراد نسخه.
(و) إنه صلى الله عليه وسلم كان يبلغ ما يلقى إليه من القرآن بنصه
وعبارته كما أمر فيه لا بمعناه كوحي الإلهام وما يلقيه الملك في روعه، فيجمع بين
الأمر بالقول ومقوله المراد منه مثل ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص: 1) ولكنه
عندما كان صلى الله عليه وسلم يريد تبليغ المعنى في أثناء كلامه الذي لم يقصد به
تلاوة القرآن يذكر مقول القول كالذي تراه في كتابه إلى هرقل قيصر الروم وغيره
وهو (ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به
شيئا) إلخ، ونص الآية: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا﴾ (آل عمران: 64) إلخ.
(ز) ليتأمل القارئ قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين
لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء
نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل
لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} (يونس: 15-16) .
(ح) قد اشتمل هذا الكتاب على تحدي العرب وغيرهم به وصرح فيه بأن
جميع الخلق عاجزون عن الإتيان بمثله في جملته، وبسورة من مثله، واستدل
النبي بذلك على كونه من عند الله تعالى لا من عنده، فظهر عجز العرب ثم عجز
غيرهم عن ذلك كما بيناه في الكلام على إعجازه بلغته وأسلوبه ونظمه [3] وأعجازه
بتأثيره، وما أحدثه من الثورة العربية والانقلاب العالمي [4] ولم يكن شيء من هذا
في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذاتية، ولا من استعداده الذي تدل عليه
سيرته في شبابه.
(ط) إنه قد نقل عنه صلى الله عليه وسلم بأصح الروايات التي تواتر خبر
بعضها أنه كان يبطئ عليه الوحي أحيانا، فيضيق صدره ويشق عليه حتى قال
المشركون مرة: إن ربه (وقالت امرأة منهم: إن شيطانه) ودعه أي تركه وقلاه أي
أبغضه، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ (الضحى: 3)
وحتى كان يرجئ جواب السائلين والمستفتين انتظارا له، وكان أكبر العبر وأوضح
الدلائل على ما نريد هنا من هذه المسألة ما كان في قصة الإفك؛ إذ أذاع زعيم
المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول قذف السيدة عائشة أم المؤمنين، وأحظى
الأزواج المطهرات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاحشة، وصدق خبره