إلى قوله: ﴿فالمدبرات أمرا﴾ (النازعات: 5) فإنه فسر هذه الأشياء في سورتها
بالكواكب لا بالملائكة.
(5) إن محرر مجلة مشيخة الأزهر والعضو في هيئة كبار علمائه يرى هذا
كله ثم ينشر في هذه المجلة أن الشيخ رشيد رضا قد قرر في مجلته وتفسيره أن
الملائكة في جملتهم عبارة عن القوى الطبيعية واحتج عليه بحوار الملائكة لربهم في
خلق آدم عليه السلام وبآيات أخرى، ليفهم قراء هذه المجلة التي رزئ بها الاسلام
أن صاحب المنار ينكر أن يكون لله ملائكة غير هذه القوى الطبيعية.
فإن كان هذا العلامة لم يفهم مما ذكر كله على جلائه ووضوحه وتكراره
والتكرار يعلم ... (ما نستهجن ذكره ولا يجوز تغيير الأمثال) ويؤثر في الأحجار،
كما قال الشاعر:
أما ترى الحبل بتكراره ... في الصخرة الماء قد أثرا
أقول: إذا كان لم يفهم من هذا كله أن صاحب المنار ناقل عن ناقل عن بعض
المفسرين المتأولين المخالفين لاعتقادهما الثابت بما تقدم من الشواهد الصريحة
وغيرها، فصرح لعدم فهمه وتمييزه بين المنقول للتقريب، والمقول المعتقد مع
التأكيد، بان صاحب المنار هو الذي يعتقد لما نقله عمن نقله عن غيره، دون ما
صرح بأنه اعتقاده الذي يدين الله به - فكيف يوثق بعلمه وفهمه ويجعل مدرسا في
الأزهر ومحررا في مجلته؟ وإن كان قد فهم هذا كله وتعمد تحريف الكلم عن
مواضعه، وافتراء الكذب على صاحب المنار بالطعن في عقيدته، انتقاما لنفسه، بعد
أن بين صاحب المنار في مجلته خطأه وجهله بتصحيح بعض الأحاديث التي صرح أو
سع الحفاظ علما بالجرح والتعديل بوضعها، وعدم تمييزه بين دعاء العبادة الخاص
بإله العباد وربهم والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه خلقة، وبين دعاء العادة واستغاثة
الناس بعضهم ببعض في الأمور الكسبية، وعدم تمييزه بين السنة والبدعة. أقول:
إن كان قد فهم هذا كله واستباح معه هذا الانتقام بالتحريف والافتراء والبهتان فكيف
يوثق بدينه وبنقله، وبأمانته على العلم، ورحم الله الشاعر الذي قال:
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
يجب على الأمة أن تسأل شيخ الأزهر عن هذا فإن لم يجبها كما امتنع إلى
الآن عن الإذن لإدارة المجلة بنشر ما أرسلناه إليها من الرد على هذا البهتان،
ليرجعوا إلى بسط شكواهم إلى السلطة العليا المسيطرة على مشيخة الأزهر لعلها
تنصفهم منه وأختم هذا بأنني قد رددت في المنار على من قال بمثل ما نقله الأستاذ
الإمام عن بعض المفسرين أو قريب منه وهو تسمية بعض القوى الطبيعية بالملائكة
تأكيدا لفضيحة المفتري ومجلة الأزهر.
***
رد المنار
على من زعم أن بعض العوالم الطبيعية وقواها
من الملائكة
إن المنار كان ولا يزال بالمرصاد لمتأولي نصوص الكتاب والسنة بما يخرجها
عما فهمه الصدر الأول، وقد قال الدكتور محمد توفيق صدقي في كتابه (دروس سنن
الكائنات) إن كلمة ملك أصلها مألك ومعناها الرسالة، فهي تطلق على كل رسول مما
يرسله الله إلى هذا العالم من المادة أو قواها فما يرسله منها يصح أن يسمى ملكا بلا
نزاع فالريح تسمى ملكا أو رسولا من الله ولذلك قال تعالى في الرياح {والمرسلات
عرفا} (المرسلات: 1) إلخ، وإن أنواع المكروبات الخفية المؤثرة في تغيير
بعض الأشياء وتحولها وفي الأمراض كلها من قبيل الملائكة والجن.
وقد نشرت له هذا في ص 603 من مجلد الثامن عشر وعلقت عليه في
الحاشية بالرد الآتي.
(المنار)
ما قاله الكاتب في هذا البحث ضعيف لغة وشرعا، إلا أنه مذهب له واصطلاح
خالف فيه الناس كما قال، ولكن له فائدة لا جلها أجزنا نشره، وهي أن المغرورين
بما أصابوا من علم البشر القليل بشئون الكون يتوهمون أنهم بذلك القليل من القليل قد
أحاطوا علما بهذا العالم العظيم وبخالقه أيضا، وإن ما لا ينطبق على علمهم لا يكون
صحيحا وإن كان ممكنا في نفسه. فمثل هذه التأويلات تقطع ألسنة هؤلاء الواهمين