أنهم كانوا يرتلون التسبيح باللغة السريانية، ولم يذكر أنشودتهم المهمة هذه متى،
ولا المبشرون الآخرون، وأن لوقا كتب موعظته باللغة اليونانية لأنه روماني أو
لاتيني على ما هو معلوم من اسمه.
كلمتان وردتا في اللغة الأصلية للآية المذكورة ولم يدرك أحد ما تحتويان عليه
من المعاني تماما، فلم تترجم هاتان الكلمتان كما يجب في الترجمة القديمة من
السريانية على وفق ما وقع في التراجم إلى اللغات الأخرى، فبناء عليه يجب
البحث عن نشيد الملائكة في اللغة الأصلية؛ لأن لوقا إنما كتب كتابه متخذا كثيرا
من المؤلفات المتقدمة [2] مادة له، ثم إن تلك المآخذ المتقدمة صارت عرضة لتنقيح
وتصرف مراقب مجمع نيقية [3] الفاقد للرأفة، وبعد كل ما كان فإن ترجمتها
باليونانية وقعت على الوجه الآتي كما في ترجمة (بايبل سوسايتي) :
(الحمد لله في الأعالي، على الأرض سلامه، في الناس حسن الرضا) .
ومن البديهي أن الملائكة لم ينشدوها باللغة اليونانية، وإلا كانوا كمن يكلم
الرعاة الأكراد في جبل هكاري باللغة اليابانية، فلنبين الآن التفسير الصحيح
الحقيقي للكلمتين (إيريني، السلامة) و (أيودكيا، حسن الرضا) فيا للعجب!! لكن
انظروا أولا إلى هذا التفسير الذي فسروه هم.
أولا: كلمة (دوكسا) مشابهة لكلمة (الحمد) في العربية والعبرانية
والسريانية وهي من الألفاظ المشتركة بين جميع اللغات السامية، و (دوسكا)
مشتقة من (دوكو) أو (دوكئو) .
وبناء على ذلك تكون التسبيحات بمعنى: حمد وعقيدة وفكرة، والكلمة
المستعملة في السريانية بمقابل (دوكسا) هي كلمة (تشبوحتا) وفي اللاتينية
Gloria، والفرنسيون والإنجليز والملل العربية تستعمل كلمات تشبهها.
كثيرا ما نصادف في صحائف كتب العهد القديم كلمات بعين الكتابة مشابهة
لكلمات (حمد) و (أحمد) و (محمد) فمما يشابه (محمد) ما جاء في (ملوك أول
20: 6 وهوشع 9: 16 ويوئيل 3: 5 ومراثي أرميا 1: 7 و11 ... إلخ) .
فالأولى من الكلمتين اللتين هما موضوع بحثنا الآن هي (إيريني) فقد ترجمت
بكلمات (سلامة) و (مسالمة) و (سلام) لكني لا أفهم لماذا يترجم مترجمو
(بايبل سوسايتي) اللفظ الواحد مرة (سلام) ومرة (سلامة) وأخرى (مسالمة) ؟
إن كلمة (إيريني) بمعنى (سلم) و (سلام) وهي من الألفاظ المشتركة بين
جميع اللغات السامية [4] كما أن كلمة (حمد) كذلك موجودة في جميع تلك اللغات،
ففي السريانية (شلم) وفي العبرانية (شالوم) التي يستعمل في مقابلتها الغربيون
المنسوبون إلى اللغات اللاتينية Peace Pax, Paix, Pace,.
من المعلوم أن لفظ (إسلام) يفيد معاني واسعة جدا، ويشتمل على ما تشتمل
عليه ألفاظ (السلم، السلام) و (الصلح، المسالمة) و (الأمن، الراحة) أي أن
من أسلم وجهه لله واجب الوجود يكون مسلما، وتزول من قلبه العداوة والخصومة
التي يثيرها الكفر بالإيمان الذي يحل في قلب من أسلم مع الإقرار باللسان، فهو
للقلب راحة، وفي الآخرة أمان، ومن المسلمين المجاورين اطمئنان على العرض
والنفس والمال، وهذا الإسلام يعطي راحة للفكر، واطمئنانا للقلب، وأمانا يوم
القيامة.
إن الكلمتين (إيريني) و (شلم) تفيدان هذا المعنى بعينه، وأما كلمة (إسلام،
سلام) فهي مع ما تشتمل عليه من المعاني التي شرحناها آنفا باختصار تتضمن
معنى زائدا وتأويلا آخر أكثر وأعم وأشمل وأقوى مادة ومعنى؛ ولكن قول الملائكة
(على الأرض سلام) لا يصح أن يكون بمعنى الصلح العام والمسالمة؛ لأن جميع
الكائنات وعلى الأخص الحية منها ولا سيما النوع البشري الموجود على كرة
الأرض دارنا الصغيرة هي بمقتضى السنن الطبيعية والنواميس الاجتماعية خاضعة
للوقائع والفجائع الوخيمة كالاختلافات والمحاربات والمنازعات، وذلك لكي يتمتعوا
بالحياة والرقي، ويعلو قسطهم من قانون الترقي والتكامل، وهذه النزعة الفطرية