وينبغي أن يعلم أن زكاة الفطر قد شرعت لإغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد
وهو يوم ضيافة الله عز وجل للمؤمنين فلا يجوز تأخيرها عن يوم العيد لإنفاقها
على تلاميذ مدارسهم الفقراء بعده، فإن كان المزكي يعلم أن للجمعية نظاما لإيصال
زكاة الفطر إلى فقراء البلد لينفقوها في يوم العيد فذاك، وإلا فليوزعها بنفسه أو من
ينوب عنه ممن يثق بهم من الخدم أو غيرهم.
***
(58) تنفيذ وصية الميت:
تنفيذ وصية الميت بما خصصه من المال لتجهيزه ودفنه والصدقة المشروعة
واجب بإجماع المسلمين؛ وإنما تكون الوصية شرعية إذا كانت لا تتجاوز ثلث ماله
ولم تكن في محرم (كوصية امرأة مصرية فاسقة في هذا العام أن تضرب عندها
يوم موتها المعازف وأن تسقى المعزيات عنها الخمر) وأولياء الميت المنفذون
لوصيته هم الذين يجب عليهم تنفيذ وصيته على الوجه الشرعي الذي أراده بها دون
ما خالفه، فإن خفي عليهم أمر التوفيق بين لفظه والعادات المألوفة في بلده فعليهم
أن يسألوا الفقهاء عن تفصيل ذلك، والحكم يختلف باختلاف لفظ الوصية وطريقة
تنفيذها.
***
(59) شبهة الإباحيين في ترك شعائر الدين:
إن ما ذكرتم عن هؤلاء الشبان المتفرنجين جهل فاضح خلاصته أن الدين الذي
ينجو به الإنسان من عذاب الآخرة ويستحق به نعيمها الخالد عبارة عن أمر سلبي
باطني، وهو ألا ينوي السوء والشر، ولم يوجد دين في الأرض يقول بهذا؛ وإنما
الدين إيمان وعمل صالح ونية صالحة في العمل بأن يكون لمرضاة الله وما شرع
العمل لأجله من تزكية نفس العامل وتحليتها بالفضائل ومنفعة عباده في مثل الزكاة
من الأعمال المتعدية الفائدة، فمن استحل ترك الصلاة أو غيرها من أركان الإسلام
فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذا من استحل شيئا من المحرمات القطعية كالزنا
والسكر وأكل أموال الناس بالباطل.
قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) ... إلخ الحديث المشهور،
وهو في أول صحيح البخاري فمن لا عمل له لا نية له إلا أن ينوي عملا، ثم
يصرفه عنه العجز أو عذر آخر، ومن كان عمله الديني للرياء والسمعة وهوى
النفس فهو منافق لا ينفعه عمله؛ وإنما ينفعه إذا كان يعمله اتباعا مخلصا لله فيه،
ويؤيد هذا المعنى المفصل في تتمة الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا
ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم) وهو في صحيح مسلم،
والمراد أن مدار قبول العبادات كلها على الإخلاص في الأعمال وصدق النية لا
على الظواهر العملية التي تقع من المنافق والصادق، والمرائي والمخلص،
وهؤلاء المتفرنجون الإباحيون ظواهرهم قبيحة وبواطنهم أقبح، ولا يعتد
بإسلامهم إلا بإقامة أركان الإسلام وترك نواهيه، حتى إذا ما زل أحدهم فترك واجبا
أو فعل محرما تاب إلى الله تعالى.
وأمر السوء والشر الذي حصروا الدين في عدم نيتهما تختلف آراء الناس
وأهواؤهم فيه حتى قال بعض المفسدين من كتبة مصر إن العفة ليس لها معنى ثابت
فهي تختلف باختلاف الزمان، فظهور المرأة عارية للرجال وسباحتها معهم في
البحار ورقصها معهم في الملاهي كانت تعد في الأزمنة الماضية رذيلة منافية للعفة
والفضيلة، وهي تعد الآن من فضائل المدنية بزعمهم، بل استحسنوا الجهر
بالفواحش التي يخفيها جميع البشر بداعية الفطرة وسموها الأدب المكشوف، وجملة
القول إن الإسلام هو العمل الصادر عن الإيمان والإذعان النفسي لما ثبت في الشرع
من الأوامر والنواهي، وهو يستلزم الإخلاص وحسن النية.
***
(60) من دعا الناس إلى استبدال العامية بالعربية الفصحى ... إلخ:
إن كان المدير الذي أشرتم إليه يدعو إلى أن تجعل العامية لغة القراءة والكتابة
أو يترك الإعراب منها، فهو إما جهول لا يعقل مصلحة الأمة العربية في دينها ولا
دنياها، وإما سيئ النية يخدم الأجانب في إضعاف هذه الأمة وإفساد أمرها عليها،