أو ظنه بهم، وقد كتب كثيرا في الطعن عليهم، وكان يذكرني في أثناء مطاعنه
بدون أدنى مناسبة ويلقبني بمفتيهم وبزعيمهم، فلهم في خياله أقبح صورة تتمثل في
شخصي.
القول الحق في الوهابية وسبب الطعن عليهم:
إنني أعلم حق العلم أنه ليس في الدنيا مذهب يصح أن يسمى مذهب الوهابية،
وأن أهل نجد الذين يلقبهم غيرهم بالوهابية لايلقبون أنفسهم بهذا اللقب، وهم حنابلة
ليس لهم مذهب غير مذهب الإمام أحمد بن حنبل أحد الأئمة الذي يعترف له جميع
أهل السنة بالإمامة، بل انتهت إليه إمامة السنة في عصره بغير منازع؛ وإنما
ينسبون أنفسهم إلى السلف في العقائد وما كان أحمد إلا إمام السلف في عصره وما
زال أهل الحديث كلهم ينتمون إليه، وقد صرح الإمام أبو الحسن الأشعري باتباعه
له.
أما سبب اتهامهم بابتداع مذهب جديد في الإسلام فهو أن الدولة العثمانية قد
رأتهم قاموا بنهضة دينية في جزيرة العرب أيدتها إمارة آل سعود، فخافت أن
يؤسسوا دولة عربية تنزع منها سيادتها على الأمة العربية فحاربتهم بالسلاح،
وبنبزهم بالابتداع في الإسلام، وجعلت قتالهم لها - وهي المعتدية - دليلا على
تكفيرهم المسلمين واستباحة دماء من لا يتبعهم في مذهبهم، وأغرت بعض العلماء
الذين يخضعون للسلاطين والحكام ويخدمونهم بكل ما يهوون أن يردوا عليهم،
فألفوا الرسائل في الطعن عليهم في دينهم، لتنفير عرب الجزيرة وغيرهم وصدهم
عنهم، كما أغرت الإمارة المصرية العلوية بقتالهم بعد أن استولوا على الحجاز
وعجزت عن إخراجهم منه.
وأما صاحب المنار فيعلم السادة الحاضرون وكل من يقرأ المنار أنه لا يقلد في
عقيدته أحدا من الأئمة، فكيف يعقل أن يقلد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على
فرض أن له مذهبا خاصا غير مذهب الإمام أحمد وسلف الأمة؟ فمن لا يقلد الإمام
الأشعري وقد نشأ على مذهب الأشعرية فأجدر به أن لا يقلد الشيخ محمد ابن
عبد الوهاب.
الأستاذ الدجوي وجه عنايته في مجلة مشيخة الأزهر وغيرها إلى الطعن في
الوهابية وجعلهم شر خلق الله، وإلى تأويل البدع والخرافات الفاشية عند غيرهم
ونرى رزاياها ومفاسدها في بلادنا من توجه الألوف، بل الملايين من الجاهلين في
قضاء حاجتهم وشفاء مرضاهم والانتقام من أعدائهم إلى أضرحة الميتين حتى من لا
يعرف لهم في الإسلام ذكر ولا قدم صدق، وربما كانت أضرحتهم مزورة، فيشدون
إليها الرحال ويحملون إليها النذور ويقربون لها القرابين، ويفتيهم بجواز ما يفعلون
من استغاثة الموتى ودعائهم ويتأول لهم ذلك بالمجاز العقلي والمجاز اللغوي بقرينة
كونهم مسلمين موحدين، وكلنا نعلم أن السواد الأعظم منهم لم يتلق عقيدة الإسلام
من عالم ولا من كتاب من كتب الإسلام الصحيحة؛ وإنما يتلقونه عن أمهاتهم
وجداتهم وأقرانهم ولداتهم.
ثم إنه يعلم بما عليه الألوف من أهل البلاد من ترك الصلاة ومنع الزكاة، وكذا
الصيام، ومن استباحة السكر والزنا والقمار وغيرها من الموبقات، وأعني بهذا
عدم الإذعان النفسي العملي للأمر والنهي وهو حقيقة الإسلام، ثم إنه لا يكتب شيئا
في مجلة مشيخة الأزهر في النصح لهؤلاء ولا لأولئك؛ وإنما يوجه همه إلى
الوهابية فيطعن عليهم ليردهم عما يتهمهم به من تكفير المسلمين واستباحة دمائهم،
وهو يعلم أنه يندر فيهم من يقرأ كلامه، وأن من عسى أن يقرأه منهم لا يعتد بعلمه
ولا بإخلاصه، وهم يعلمون من أنفسهم - كما يعلم كل من اختبرهم - أنه لا يكاد
يوجد في بلادهم كلها من يترك صلاة الجماعة، ولا من يجهر بفاحشة مبينة،
والسرائر علمها عند الله، وعلماء الوهابية لا يكفرون أحدا من أهل القبلة إلا بما
أجمع فقهاء أهل السنة على أنه كفر وردة عن الإسلام، فهم يخالفون مذهب الإمام
أحمد في هذه المسألة، وفي مسألة أخرى لا أعلم لهم غيرهما، وأعني بالمسألة
الأخرى أنهم يقدمون العمل بالحديث الصحيح المخالف لرواية المذهب عليها؛ ولكن