الحميدية التي قرظها أكبر علماء سورية وعلماء الترك وغيرهم إذ ترجموها باللغة
التركية وكانت سبب حظوة مؤلفها عند السلطان عبد الحميد، ولم ينكر عليه أحد
هذا القول في مذهب دارون.
ولكن أحد علماء تونس الأذكياء انتقد عبارتنا في تفسير آية سورة النساء
وموافقتنا للأستاذ الإمام على ما قاله في المسألة بمقال نشرناه في المنار أجبنا عنه
من بضعة عشر وجها أقنعت هذا الأستاذ، وأما الشيخ يوسف الدجوي فلم أرد على
ما نشره في جريدة الأفكار؛ لأنه كان تحرشا وطعنا شخصيا بسوء نية غير مبني
على دليل علمي، فضلا عن كونه نشره في جريدة يومية ولو كان بحثا علميا
لأرسله إلى المنار كالأستاذ العلامة الشيخ محمد البشير النيفر التونسي.
ثم إن الأستاذ الدجوي كتب في سنة 1348 رسالة في الطعن على متبعي
السلف من عهد شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الآن غمز فيها الأستاذ الإمام بقوله بعد
اعترافه بأنه غني عن الثناء والإطراء: (ولكننا نعجب له وقد تربى تلك التربية
العقلية الفلسفية كيف يسير وراء كل ناعق من الأوربيين فيردد صدى صوته بلا نقد
ولا تمحيص، وقد يكون ذلك عندهم محل الظن والتخمين أو الفرض والتقدير،
وربما أول له الآيات الصريحة، أو السنة الصحيحة قبل أن يقام عليه البرهان، أو
يبارح محل الاستحسان، إلى أن قال: ولا داعي لأن نفيض في بيان تلك الآراء ففي
المنار منها شيء كثير) اه.
إنني على التزامي لتفنيد كل من يطعن في الأستاذ الإمام قدس الله روحه
أعرضت عن الأستاذ الدجوي ولم أعرض له؛ لأنه ليس ممن يرد عليهم في نظري؛
ولكنني أشرت في فاتحة المجلد الحادي والثلاثين من المنار إلى قوله إشارة ولم
أسمه وقلت إن الأستاذ الإمام لا يضيره مثل هذا القول فيه.
هل يسمع قول مثل الدجوي في الأستاذ الإمام (إنه يسير وراء كل ناعق من
الأوربيين) وهو هو الذي علم الأزهر استقلال الفكر وعدم قبول قول لغير المعصوم
بدون دليل؟ وهو هو الذي شرف مصر والأمة الإسلامية أمام أوربة بإكبار شيخ
فلاسفتها هربرت سبنسر لعلمه وعقله وبرده على موسيو هانوتو ذلك الرد الذي
اهتزت له أوربة والشرق، وألجأ ذلك الكاتب الكبير والوزير الشهير إلى الاعتذار
للإمام المصري بما هو مشهور، وهو الذي كتب في حقه العلامة المستشرق إدوارد
براون من أساتذة جامعة كمبردج الإنكليزية: إنني ما رأيت في الشرق ولا في الغرب
مثله.
بيد أنني أنكر على مجلة نور الإسلام الأزهرية الرسمية ما تنشره له من
المقالات والفتاوى في تأييد البدع الفاشية في عامة الأمة، ولا سيما بدع القبور
ومنكراتها والطعن على السلفية عامة والوهابية خاصة في هذا العصر الذي أظهر
فيه العالم الإسلامي كله في الشرق والغرب والوسط كمصر حرسها الله العطف على
الدولة السعودية والدفاع عنها، والانتقاد على الدولة المصرية لعدم اعترافها بها،
ولمنع حقوق الحرمين الشريفين وأهلهما من الحقوق الثابتة لهم في أوقاف مصر،
ولو كتب الأستاذ الدجوي ما ذكر في غير مجلة الأزهر الرسمية لما عنيت هذه العناية
بالرد على بعض ما كتبه ولم أقرأه كله.
وإنما أعنى بما يكتب فيها لصفتها الرسمية؛ ولأنني أعد فضيلة شيخ الأزهر
مسئولا عن الطعن الذي وجهته إلي مع كاتبه ورئيس تحرير المجلة جميعا.
ظهرت مجلة (نور الإسلام) فأحسنت تقريظها في المنار وتمنيت لها أن تكون
خيرا منه في خدمة الإسلام لما يرجى من دوامها بكونها لمصلحة إسلامية غنية لا
لشخص قد تموت بموته، ونصحت لها بما أملاه علي اختبار ثلث قرن في مثل
الخدمة التي أنشئت لها، وذكرت محررييها ومشيخة الأزهر ورياسة المعاهد الدينية
بأن تبعة ما ينشر فيها ليس كتبعة ما ينشر في المجلات والصحف الشخصية
ليتحروا فيما يكتبون.
كان المثير الظاهر لهذا الطعن فتويين مختلفتين في مسألة البدعة التي ابتدعها
المؤذنون بمصر في القرن الثامن، وهي زيادة السلام على النبي صلى الله عليه