محمد عبده المصري، وقد شرحنا ذلك في المنار وفي تاريخهما الحافل المستقل
واتبعناهما فيه، وما كان الزعيم السياسي الكبير سعد باشا زغلول الذي وحد القومية
المصرية مع حرية كل ذي دين في دينه إلا ربيب الشيخ محمد عبده وتلميذه، وما
تلقى هذه السياسة إلا منه، كما شرحناه في هذا التاريخ وأيدناه ببعض خطوط سعد
باشا منقولة فيه برسمها الشمسي العكسي، فالوحدة القومية والوطنية، لا خلاف فيها
بين رجال الدين ورجال المدنية.
أيها الفلسطينيون:
إن لديكم شاهدين عدلين على عدم التعارض بين الجامعتين: هما جريدة
الجامعة العربية في القدس، وجريدة الجامعة الإسلامية في يافا، ألا ترون كلا منهما
داعية إلى القومية العربية واتحاد جميع الناطقين بالضاد فيها، وأصحابهما من خيار
المسلمين؟
وإن لديكم شاهدا حاضرا يتضمن شواهد كثيرة، وهو جعل هذا الاحتفال
بذكرى السلطان صلاح الدين ومعركة حطين مشتركا بين المسلمين والمسيحيين،
والداعي إليه من أشهر علماء المسلمين، وخطباؤه من الفريقين.
وأما الإسلام نفسه فهو أوسع صدرا مني ومن الشيخ محمد كامل رئيس هذا
الاحتفال القومي الوطني، ومن سعد باشا زغلول، ومن أستاذ الجميع الشيخ محمد
عبده، والسيد جمال الدين، بل به اهتدينا في دعوتنا هذه.
الحق أقول لكم إن الإسلام يسمح لنا أن نتفق مع اليهود الوطنيين المستعربين
الذين يعيشون معنا على قاعدة شرعنا: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) ولكنه لا
يسمح لنا بأن نتفق مع الصهيونيين الأعاجم الذين يريدون سلب وطننا منا وجعله
وطنا عبرانيا لهم، فنحن خصوم لهؤلاء دون سائر اليهود.
قال الله عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم
يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما
ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على
إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} (الممتحنة: 8-9) .
وهؤلاء الصهيونيون يريدون إخراجنا من ديارنا، وغلبنا على أوطاننا؛ وإنما
هم آلة من آلات المستعمرين في قتل أمتنا كلها، فالواجب علينا دينا وقومية ووطنية
أن نجمع كلمتنا، ونوحد أمتنا، وأن يستعين المسلمون منا على مسخري هذه الآلة
وغيرها في استعمارنا بالرأي العام الإسلامي، وأن يستعين المسيحيون منا عليهم
بالرأي العام المسيحي، فبهذا الاتحاد دون سواه يرجى أن ندفع هذا البغي والعدوان
عن أنفسنا، فإن لم نفعل كنا نحن الظالمين لأنفسنا {إن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11) ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (الكهف: 49)
والسلام على من اتبع الهدى اه.
-----------------
<span class="footnote">
(1) خطاب لنا ألقي في حفلة الذكرى بحيفا في 25 ربيع الآخر.
(2) شكا إلى السلطان صلاح الدين أحد مماليكه المتميزين لديه بالحظوة والأثرة مستعديا على جمال ذكر أنه باعه جملا معيبا أو صرف عليه جملا بعيب لم يكن فيه، فقال السلطان له: ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة وأوامره ونواهيه ممتثلة وإنما أنا عبد الشرع وشحنته - والشحنة عندهم صاحب الشرطة - فالحق يقضي لك أو عليك. اه من رحلة ابن جبير.
(3) وإنما رفعوا الانتداب عن العراق لفتك ثورته وشدة شكيمته ودهاء ملكه وكثرة نفقاته، واستبدلوا به معاهدة تمكنهم من استغلال ثروته وحفظ مواصلات الإمبراطورية فيه، والتمكن من تقوية سلطتهم العسكرية من حوله.
(*) (الذاريات: 55) .</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">