المضرة.
وقد كنت طالعت في كتب أخرى عن الجراثيم ما اتفق في التقرير مع المرشد
المذكور؛ ولكني قرأت أيضا في كتب الطب فوجدت بعضها في حال وصفه للجرب
والجذام والحكة يقول: (إنها تنتج في بعض الأحيان فيمن يفرط في أكل شحم
الخنزير ودهنه أو في ذريتهم) ومن هذه الكتب كتاب: (ادرس نفسك) للأستاذ
الكبير الفارس دي توليدو [1] .
فأنت تستخلص من ذلك أن شحم الخنزير خال من الجرثومة المضرة إلا أنه
يورث على الغالب كثيرا من الأمراض المؤذية مباشرة لآكله ولورثته من بعده، فهو
بذلك لا يدخل بين الطيبات ولا يعطى حكمها، فيكون تحريم أكله - ولو تحريما
ظنيا - جائزا من باب الحيطة وسد الذريعة، إذا لم يثبت تحريمه القطعي بالنص
الصريح.
ولقد طالعت فتوى على مذهب الإمام مالك عند حداثتي ولا أدري أين طالعتها
بعدم حرمة شحم الخنزير، ولا أدري مقدارها من الصواب، ولا يبعد استفتاء
علماء بذلك، ففي إمكانكم استشارتهم أو استشارة كتبهم وربما عدت فكتبت إليكم
بتفصيل عند خفة عملي الكثير، والله سبحانه وتعالى أعلم.
... ... ... ... ... ... ... ... ... الخادم الفقير
... ... ... ... ... ... ... ... ... سيف الدين رحال
***
تعليق المنار على الفتوى
نقول أولا: إن إطلاق لفظ اللحم في تحريم الأكل يشمل الشحم وكل ما يؤكل
منه من كبد ورئة وقلب وطحال وكليتين ومعى وغدد، يشمل هذا بالنص اللغوي
الحقيقي كما حققه القاضي أبو بكر بن العربي المالكي، فقد قال في تفسير آية البقرة
من كتابه أحكام القرآن ما نصه: اتفقت الأمة على أن الخنزير حرام بجميع أجزائه،
والفائدة في ذكر اللحم أنه حيوان يذبح للقصد إلى لحمه، وقد شغفت المبتدعة بأن
تقول فما بال شحمه بأي شيء يحرم؟ وهم أعاجم لا يعلمون أنه من قال لحما فقد
قال شحما، ومن قال شحما فلم يقل لحما، إذ كل لحم شحم، وليس كل شحم لحما،
من جهة اختصاص اللفظ، وهو لحم من جهة حقيقته اللحمية، كما أن كل حمد شكر
وليس كل شكر حمدا من جهة ذكر النعم، وهو حمد من جهة ذكر فضائل المنعم.
ثم اختفلوا في نجاسته فقال جمهور العلماء: إنه نجس، وقال مالك: إنه طاهر ...
إلخ اه المراد منه.
ثانيا: إن الفقهاء قد أجمعوا على تحريم أكل كل ما يؤكل من الخنزير. أطلق
الجمهور حكاية الإجماع واستثنى بعض المفسرين بعض الظاهرية، وهو مبني على
أن مدلول لفظ اللحم ما هو معروف عند العوام من جسم الحيوان المتصل بأعضائه
المتماسكة بعظامه دون ما في جوفه مما ذكر.
ثالثا: إذا قيل إن إطلاق لفظ اللحم في الآيات مجاز مرسل من إطلاق الجزء
على الكل أو معظم الشيء على جملته؛ فإنه يصح الاستدلال بالآية على تحريم ما
ذكر كله عند غير الحنفية من أصحاب المذاهب الثلاثة، وعلى الكراهة التحريمية
عندهم لأنهم يشترطون في التحريم الدلالة القطعية من النص وليس هذا منها.
رابعا: إن علة تحريم أكله وهي الضرر الجسمي والأدبي - كما حققه الأطباء -
متحققة في كل ما يؤكل منه، فيكون تحريم اللحم بالنص وتحريم غيره بالقياس
المساوي.
خامسا: إن الخنزير نجس العين عند جمهور الفقهاء، طاهر عند الإمام مالك،
ولعل الأستاذ سيف الدين رأى فتوى بطهرة الخنزير عند مالك، وطهارة ما يتخذ
من شحمه أو يدخل فيه شحمه كالصابون فنسيها، ثم ظن أنها فتوى بحل أكل شحمه.
وجملة القول: إن كل ما يؤكل من الخنزير محرم، فأما لحمه فبنص القرآن،
والمختار عندنا أنه يشمل الشحم وكل ما يؤكل منه، وبالإجماع على قول الجمهور
به وعدم اعتدادهم بمن خالف فيه من الظاهرية، وأما شحمه - على القول بأنه لا
يسمى لحما والاعتداد بخلاف بعض الظاهرية - فبدلالة المجاز من إطلاق المقصود
بالذات وإرادة كل معناه، وبالقياس.
وقد سبق لنا في المنار وفي التفسير إثبات قول الأطباء بضرره الشديد في
البدن بكونه سبب داء الدودة الشريطية، وضرره في الأخلاق كما أثبته بعض