تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للانتفاع بما هو غير اللحم مما يميل المترخص إلى تحليله جمودا عند النص، وفيه

قطع دابر ما يؤدي إليه الانتفاع من التفريط في التحريم للمحرم بجر المنفعة لما

دونه المظنون في حله، ولا يصح ضرب المثل بضرورة منع زرع العنب والتمر

منعا لاستخراج الخمر منهما؛ فإنه مثل فاسد لوجود الفرق العظيم في الأمرين؛ لأن

شحم الخنزير ودهنه وكبده وطحاله موجودة فيه بالذات ملاصقة لما حرم الله بالنص

بصريح اللفظ والمعنى؛ وإنما الخمر محدثة يأثم عاصرها وبائعها ومشتريها وحاملها

والمحمولة إليه لشربها، ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى قد قال: {تلك حدود الله

فلا تقربوها} (البقرة: 187) ومعنى ذلك أن للحلال حدودا ينتهي عندها حيث

يبتدئ الحرام، فإذا تطرف المرء فقد ينتهي منها إلى الحرام أو يختلط عليه آخر

المحللات بأوائل المحرمات، فيلج أبواب الشبه والالتباس نجانا الله منها؛ فإنها

أبواب الريبة والحيرة.

وإنك لتجد في آية الأنعام قوله تعالى: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (الأنعام:

145) والهاء في (إنه) يحتمل أن تعود على لحم الخنزير، كما يحتمل أن تعود

على الخنزير نفسه، بل قال النحاة إن الضمير يعود على الأقرب، فالقول بأن

تأكيد النعت بالرجس راجع إلى الخنزير ذاته صحيح، وهو تشنيع وصف الله به

عبادة الأوثان في نهيه عنها بقوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (الحج:

30) كما وصف به الخمر والميسر: ﴿والأنصاب والأزلام﴾ (المائدة: 90)

في آية أخرى.

نعم قد وردت صيغة التحريم في آية البقرة بصيغة الحصر (بإنما) كما وردت

في سورة الأنعام حصرا (بإلا) ولكن الحصر وارد هنا لبيان أن الله جل شأنه لم

يحرم على المسلمين جميع ما حرمه على غيرهم من الأمم الأخرى؛ وإنما حرم

عليهم ما ذكره فقط من المحرمات قليلة العدد التي ذكرها وتكرم بحل غيرها مما دعا

إلى يأس المخالفين الذين ذكرهم بقوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا

تخشوهم واخشون} (المائدة: 3) وقد ذكر في آيات التحريم من قواعد سننه ما

فيه يسر للمسلمين، فذكر ثلاث قواعد هي أصل التشريع الصحيح عند العلم

والاجتماع:

القاعدة الأولى: تحليل الطيبات ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾ (المائدة: 4) ﴿اليوم أحل لكم الطيبات ... ﴾ (المائدة: 5) .

القاعدة الثانية: إن تحريم الله لما حرم لم يكن لمجرد التحريم، بل لغاية أسمى

وهي لتطهير الإنسان من الواجفات الحيوانية كأكل الموتى ولعق الدم المسفوح أو

أكل ما هو رجس سواء أكان لقذره أم لما فيه من الجراثيم المؤذية، ولتبرئته من

الفسق والشرك الخفي بتجنبه استيعاب ما ذبح للأوثان أو لغير الله مطلقا مثل ما ذبح

على النصب ... إلخ.

القاعدة الثالثة: منع الحرج عن الإنسان واردة اليسر له لا العسر بالترخيص

له بالاستعمال عند الضرورة {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله

غفور رحيم} (البقرة: 173) {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور

رحيم} (الأنعام: 145) {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله

غفور رحيم} (المائدة: 3) .

فإذا تقرر ذلك جاز لنا أن نسأل: هل شحم الخنزير ودهنه وكبده من الطيبات

أم لا؟ والجواب على ذلك يمكن معرفته بتقرير أهل العلم العادلين في هذا الصدد

وإني ذاكر لك ما يحضرني فيها وأنا في مجال بعيد عن المراجعة والتفصيل.

طالعت في دليل (كشرنوفتش) الطبي تحت كلمة (تريكينة) ما معناه

(التريكينة) جرثومة خبيثة توجد خاصة وعلى الغالب في لحم الخنزير ولها تأثير

سيئ جدا في الجهاز الهضمي وعلى المصران، ولا تموت إلا بغليان يبلغ (75)

درجة من الحرارة بميزان (فرنهيت) فإذا صادفت إنسانا لا استعداد له على تحملها

فقلما تركته سليما، بل قد تقضي عليه في أقل من 24 ساعة.

وقد ثبت علميا أن شحم الخنزير وكبده خاليان خلوا كاملا من هذه الجرثومة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٥٥