تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لنفوذ أجنبي، وناهيك بالخضوع للنفوذ الفرنسي.

كان أعظم مظهر لهيجان الشعب التونسي إضراب طلاب العلم في جامعة

الزيتونة الأعظم وأكثر شيوخهم عن الدروس، ومشاركتهم لسائر الأهالي في الإنكار

بالمظاهرات وكانت المظاهرات العامة عظيمة، وكانت الخطب والأناشيد التي

ألقيت فيها جد مؤثرة، أنذرت الحكومة الزيتونيين وغيرهم بطشتها بهم فتماروا

بالنذر، ولم يبالوا العقاب المنتظر، وأنشأت محكمة عرفية لعقابهم بالفعل فما زادتهم

إلا إقداما وإيمانا، وإنه ليجب علينا أن نوجه نظر الأمة الإسلامية في هذه المسألة

إلى قضيتين: إحداهما دينية تعبدية، والثانية إسلامية سياسية شرعية.

مسألة التجنس من الوجهة الدينية التعبدية:

فأما الدينية المحض فإنني أرى بعض المسلمين قد شبه عليهم الحكم كون

تجنس المسلم بالجنسية الفرنسية ونحوها يعد ردة ومروقا في دين الإسلام ويرجحون

أنه معصية من كبائر المعاصي التي يمكن أن يقترفها صحيح الإيمان، كالزنا

والسرقة وشرب الخمر وغيرها من الكبائر التي يتحامى أهل السنة تكفير المسلم بها؛

إذ يقولون في كتب العقائد: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، وأن قوله صلى الله

عليه وسلم: (لا يزني الزاني حيث يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين

يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، وهو متفق على

صحته يجب تأويله بنفي الإيمان الكامل أو بغير ذلك.

وقد قال لي أحد أصدقائي من فضلاء المسلمين: إذا كان الذي يقبل الجنسية

الفرنسية أو غيرها من جنسيات الدول غير الإسلامية يعد كافرا فلا يصح إسلام أحد

من الذين يسلمون في أوربة وأمريكة وهم كثيرون ويزدادون في هذه السنين عاما

بعد عام، وإن لي أصدقاء منهم أثق بصحة إسلامهم وكانوا يرجعون إلي في كثير

من مسائل العبادات والأحكام الإسلامية التي تخفى عليهم إذ كنت بينهم.

قلت له: إن الفرق عظيم بين الفرنسي الأصلي المقيم في بلاده تحت سلطان

دولته إذا أسلم، وكان قانون دولته يكرهه على أحكام غير أحكام الإسلام، وبين

المسلم الأصلي الذي يختار لنفسه ترك أحكام الشرع حتى المجمع عليها المعلومة من

الدين بالضرورة ويستبدل بها أحكام الجنسية التي يختارها عليها.

إن صفة الفرنسي الذي يهتدي إلى الإسلام أنه قد آمن بعقائده وأخذ بعباداته،

وفضل شريعته على كل ما يخالفها من شرائع دولته، فيجب عليه العمل بكل ما

يقدر عليه منها وما يعجز عنه وأمكنه أن ينفذه بصورة لا تعارضها حكومته فعل،

كالوصية بجعل تركته من بعده لوارثيه الشرعيين في حكم الإسلام، وما عجز عنه

من كل وجه يكون معذورا فيه.

وأما صفة المسلم الذي يختار الجنسية الفرنسية وأمثالها على الإسلامية فهو أنه

قد فضل شرع المكذبين لله ولكتابه ولرسوله خاتم النبيين على شرع الله، وآثر

الاعتزاز بهم على الاعتزاز بدين الله، وأعان المعتدين على المسلمين في دينهم

وشرعهم وملكهم فيما يبغونه منهم، وما يبغون إلا محو الإسلام من الأرض دينا

وتشريعا وسلطانا، وجعل الآخذين به عبيدا أذلاء لهم، وهذا عين ولايتهم التي نهى

الله تعالى عنها وقال: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ (المائدة: 51) فأنى لمسلم

أن يجعله من المسلمين بعد إخراج الله تعالى إياه منهم وجعله من أعدائهم؟

ومن هذا الوجه كتبت عند البحث في هذه المسألة أول مرة أن الذي يقبل هذه

الجنسية مختارا عالما بمعناها وأحكامها لا يكون مرتدا عن الإسلام بقبولها، بل لا

بد أن يكون كافرا بما جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه من قبلها.

فإن المؤمن الموقن لا يمكنه أن يفعل ما ينافي إيمانه عامدا متعمدا، وأما المعاصي

التي قال علماء السنة: إنها لا تنقض الإيمان فهي ما يفعله المؤمن بجهالة من

ثوران شهوة أو غضب عليه تنسيه وعيد الله تعالى على الذنب، أو تضعف

عزيمته أن تتغلب على هوى النفس، كما قيل في تأويل حديث (لا يزني الزاني

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٠٠