يتجاوزه إلى مشاركته تعالى في شيء مما هو فوق الأسباب المسخرة والسنن العامة
في خلقه، فهو يعطي كل مخلوق منها حقه، ويعطي ربها وخالقها حقه، ومن ثم
لا يشركها معه بشيء ما من التقديس والتعبد، لا بالذكر ولا بالدعاء ولا بالتوجه،
ولا بوضعها أو وضع شيء مما يذكر بها من صورة أو تمثال أو قبر في بيوت
العبادة تفعلونه في هياكل هذه المدينة (بنارس) وغيرها اه.
(8) معابد الهندوس ومعابد غيرهم:
في بنارس هذه قبر أبي البشر آدم عليه السلام وقبر زوجه وقبر أمه (ويقال:
إنهم يعبرون بأمه عن الطبيعة) وقبور قضاته، وهي تحت قباب مصفحة بالذهب،
كقبة أمير المؤمنين علي في النجف وقباب غيره من أئمة أبنائه (عليهن السلام
والرضوان) في كربلاء والكاظمية وغيرها، وبجانب قبة آدم تمثال العجل الأحمر
الذين يزعمون أنه كان يمتطيه في انتقاله من مكان إلى آخر، وترى الأزهار
منثورة عليه ومن حوله.
وجميع هذه القبور تعبد بالطواف حولها والتمسح بها، وتلاوة الأدعية
والأوراد عندها كغيرها من تماثيل معبوداتهم، مع الخشوع وبذل الأموال والنذور
لها ولسدنتها وكهنتها، فلا يحسبن الجاهل بالتاريخ وبعقائد الملل والنحل أو التعبدات
فيها أن علماء وثني الهند يعتقدون أن هذه الأشياء تنفع وتضر بنفسها، وأنهم ليس
لهم فلسفة في عباداتها، كيف وهم أئمة الفلسفة الأولى، ولا سيما فلسفة علم النفس
والأخلاق والتصوف وتربية الإرادة، وعنهم أخذ غيرهم من الشعوب، وقد بينت
هذه الحقائق في مواضع من المنار وتفسير القرآن.
أفيصح لنا معشر المسلمين أن نرى وثني الهند يقتبسون من ديننا الحق ما
يصلحون به دينهم الفاسد، ويبقى فينا من يصرون على البدع الوثنية التي اتبعنا بها
سننهم وسنن من قلدهم قبلنا من أهل الكتاب؟ أما آن لنا أن نعلم أننا في مصر
وغيرها مهملون لعلم التوحيد وهو أعلى العرفان الذي يصلح النفوس ويزكيها،
ويربأ بها أن تقبل الاستبداد، أو تدين بالذل والعبودية لغير خالقها، وكذا تعليم
أخلاق الإسلام وتاريخه، وأن وثني الهند وأهل الكتاب أشد عناية بتعليم دينهم منا؟
أما آن لنا أن نعلم أن فشو هذه الخرافات وتأييد بعض المعممين لها باسم الإسلام،
هو أكبر أسباب ترك أكثر معلمي المدارس العصرية لهداية الإسلام، وحسبان
بعضهم أنه كغيره من الأديان الوثنية الخرافية؟
(9) الإسلام بين الخرافيين والإباحيين:
لقد كاد الإسلام يضيع بين فريقين أحدهما غلبت عليه الخرافات والبدع
الملصقة بالدين، فهو يطلب سعادته في الدنيا والآخرة من قبور الميتين، والآخر
استحوذت عليه الشهوات البدنية فارتكس في حمأة الإباحة، المفسدة للصحة، المفنية
للثروة، الهادمة لبناء الأسرة. وكل من الفريقين في ضلال مبين، العارفون
بحقيقة الإسلام الجامع بين مصالح الدنيا والآخرة قد أصبح صوتهم خافتا لفقد الزعامة
التي تجمع شملهم، وتصدي الخرافيين لمحاربتهم، وتأييد الزعامة الدينية لهؤلاء
بمجلة الأزهر، ولم يسبق لهذا نظير في القرون الأخيرة، فالأمة ضائعة بين
الخرافيين والإباحيين.
كتب بعض رجال التاريخ في بعض الصحف أن السيدة زينب بنت الإمام
الحسين السبط عليهما السلام غير مدفونة في المشهد المبني لها في المسجد المضاف
إلى هذا الاسم، فتصدى الخرافيون للرد على هؤلاء المؤرخين، وكان دليلهم على
الإثبات قول الشعراني: إن شيخه عليا الخواص قد علم بالكشف وجودها في هذا
القبر، وهذا الكشف الذي يدعونه ليس بحجة شرعية ولا عقلية ولا لغوية، وكتب
الشعراني هذا طافحة بالخرافات التي لا يقبلها عقل ولا دين، ولعلها أقوى أسباب
الاستمساك بها عند كثير من المعممين.
من هذه الردود أن أحد علماء الأزهر كتب مقالا في الموضوع نشره في
المقطم يقول فيه لمنكر وجود السيدة زينب في هذا القبر ووجود رأس الإمام الحسين
في القبر المنسوب إليه: (إنك جئت تفجأ المسلمين في اعتقاداتهم المقدسة النبوية