تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيه هو وامرأته، والمعجبون من الإفرنج بدين غاندي كثيرون، وقد قال بعضهم:

إنه لم يوجد في البشر أحد يشبه المسيح مثله أو غيره، فهذا بعض أثر الهندوس في

خدمة دينهم الوثني، فماذا يفعل علماؤنا في خدمة دين التوحيد المصلح لجميع

الأديان؟

ها أنا ذا أذكر لكم محاورة دارت بيني وبين أحد كهنة الهندوس في مدينتهم

المقدسة (بنارس) في التوحيد عندهم وعندنا، بعد أن نشرت لكم مسامرة في انتقاد

كتب التوحيد وتعليمه عندنا، كانت بيني وبين الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر

فأقمت بها الحجة على أن تعليم التوحيد في الأزهر ومعاهد التعليم التي على منهاجه

لا يصلح في عصرنا هذا للعوام، ولا للخواص، وما يجب من إصلاحه، ولم يرد

عليها شيخ الأزهر بكلمة.

(7) محاورة بيني وبين كاهن هندوسي في التوحيد ووحدة الوجود:

في ضحى يوم الأربعاء لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة 1330 (8 ...

أبريل سنة 1912م) وصلت إلى بنارس (مدينة الهندوس المقدسة) فاستقبلني في

محطتها (محمد ممنون حسن خان) المعاون المسلم لواليها الإنكليزي، وهو شهم

أفغاني الأصل، وأنزلني ضيفا مكرما في داره بضاحية المدينة، وهي في حديقة

غناء غبياء فيها بعض الشجر المقدس عن الهنود كالبيبل والبيبر، وإذ كنا جالسين

في ظل شجرة منها متدلية الأغصان مفتحة الزهر الأبيض جاء كاهن من كهنة الدين

لزيارة مهراجا من أمرائهم محجور عليه لمرض عقلي بكفالة مضيفي، هو مرسل

من قبل زوج المهراجا، فلما علمت أنه من علماء دينهم أحببت البحث معه بما

أدونه هنا.

قلت: ما الذين جعل هذا النوع من الشجر وأشرت إلى الشجرة التي فوقنا

مقدسا؟ قال: إن أوراق هذه الشجرة إذا وضعت على المجدور لا يلبث الجدري أن

يذبل ويزول من قريب.

قلت: إن صح هذا فهو لا يوجب لشجرة قداسة دينية، فإن لشجرة الخروع

زيتا يطهر الأمعاء من الفساد فيشفي من الذرب والهيضة، وأن لشجرة الكينا مادة

تزيل الحمى، ولكل شجرة وكل مخلوق خاصية أيضا.

قال: نعم وإن كل ذلك أو كل ما في الوجود ما ظهر الفيض الإلهي (ونطق

كلمة الفيض بالظاء وكان يتكلم باللغة الأوردية، ويترجم لي كلامه ترجماني السيد

عبد الحق الأعظمي رحمه الله تعالى) فالله تعالى يعبد ويتوجه إليه بمظاهر وجوده

ومجالي فيضه وآياته في خلقه.

وذكر أن مذهبهم هذا في وحدة الوجود هو الذي ينتهي إليه كبار العارفين منا

كشمس الدين التبريزي ومحيي الدين بن عربي وأمثالهم.

فرددت عليه بكلام حاصله أن التوحيد الحق الذي جاء به الإسلام المجرد من

شوائب الشرك، الوسط بين إفراط صوفية الهند وغيرهم وفلسفتهم في وحدة الوجود،

وتفريط المشركين منهم ومن سواهم في تعديد الإله المعبود، هو التوجه إلى الله

تعالى وحده غير مقترن بأحد من خلقه، مهما تكن مراتبهم في مظاهر فيضه،

وحظوظهم من خواصه وآياته في خلقه، وهو المعبر عنه بالحنيفية والموصوف

صاحبها بالحنيف، فهكذا يتوجه إليه المسلم الموحد الحنيف عند الدعاء والصلاة

والذكر، يلاحظ أنه هو العلي العظيم القاهر فوق عباده، فلا يصوب نظر قلبه إلى

ما دونه عند وقوفه في حضرة مناجاته، وبسط أكف الحاجة إلى كرمه، والسجود

والذل لعظمته وكبريائه، وهو قد كرم الإنسان بالعبودية له، وفرض عليه مخاطبته

كفاحا بغير وساطة كما ترى في سورة الفاتحة، وفي غيرها من آيات كتابه، كقوله

فيها وهو ما نقرؤه في كل ركعة من صلاتنا ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (الفاتحة: 5) وقوله في غيرها: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ (الجن: 18) .

وأما إذا نظر المسلم إلى كل من هؤلاء المخلوقات وحده فمقتضى كمال

التوحيد ألا يحجبه شيء من آياته تعالى فيها وما أودع فيها من جمال وخواص

ومنافع لعباده عن كونها من آلائه ومظاهر فيضه، وتجليات أسمائه وصفاته، ولا

عن تسخيره بعضها لبعض في عالم الأسباب، ووقوف كل منها في محيطه، لا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٩٥