من الإلهيات والوحي والرسالة والبعث والجزاء وغيرهما من عالم الغيب، وقصص
الرسل مع أقوامهم. ويلي ذلك فيها أصول التشريع الإجمالية العامة، والآداب
والفضائل الثابتة، كما بيناه في خلاصة كل من سورتي الأنعام والأعراف. ويتخلل
هذا وذاك محاجة المشركين ودعوتهم إلى الإيمان بتلك الأصول، ودحض شبهاتهم،
وإبطال ضلالاتهم، وتشويه خرافاتهم.
وأما السور المدنية فتكثر فيها قواعد الشرع التفصيلية، وأحكام الفروع
العملية، بدلا من أصول العقائد الإيمانية. وقواعد التشريع العامة المجملة، كما
تكثر في بعضها محاجة أهل الكتاب، وبيان ما ضلوا فيه عن هداية كتبهم ورسلهم،
ودعوتهم إلى الإيمان بخاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وفي
بعضها بيان ضلالة المنافقين ومفاسدهم كما يرى القارئ للسور المدنية الطول
الأربع (جمع الطولى) المتقدمة، وكل من هذا وذاك يقابل ما في السور المكية من
بيان بطلان الشرك وغواية أهله.
في سورة البقرة تكثر محاجة اليهود، وفيها تذكير كثير بقصة موسى معهم،
وفي سورة آل عمران تكثر محاجة النصارى [6] وفي سورة المائدة تكثر محاجة
الفريقين، وفي سورة النساء تكثر الأحكام المتعلقة بالمنافقين، ويليها في فضائح
المنافقين سورة التوبة الآتية. وتكثر في هذه السور الثلاث أحكام القتال، كما تكثر
في هذه السورة (أي سورة الأنفال) اه.
ثم إذا راجع خلاصة سورة براءة (التوبة) المدنية يجد في أولها ما نصه:
(هذه السورة آخر السور المدنية الطول نزولا فيقل فيها ذكر أصول الدين، وما
يناسبها من الحجج العقلية والسنن الكونية، وكذا أنواع العبادات البدنية. اه.
ثم إذا هو قرأ الأبواب والفصول التي لخصنا فيها ما في السورتين من
الأصول والقواعد يجد أكثرها في قواعد التشريع الخاص بالقتال والصلح والعهود،
وأحكام المشركين والمنافقين وأهل الكتاب في ذلك، وكذا القواعد والأصول المالية،
وكل ذي إدراك يفهم أن هذا كله لا يعقل أن يكون إلا في القسم المدني دون المكي.
الحروف المفردة في أوائل بعض السور
إن هذه المسألة ما كان ينبغي لمسلم أن يقلد دعاة النصرانية في تشكيك طلاب
العلم في القرآن بها وجعلها من مباحث النقد التحليلي في الأدب، (أي كما فعل طه
حسين) وقد فند الأستاذ الناقض لمطاعنه رأيه فيه، وذكرنا فيما علقنا عليه في
حاشيته ما سبقه إليه بعض المستشرقين منه، ونذكر هنا المختار عندنا في هذه
المسألة، وهو ما كتبناه في تفسير ﴿المص﴾ (الأعراف: 1) من أول سورة
الأعراف في الجزء الثامن من تفسير المنار وهو:
(المص) هذه حروف مركبة في الرسم بشكل كلمة ذات أربعة أحرف،
ولكنها تقرأ بأسماء هذه الأحرف ساكنة هكذا: ألف. لام. ميم. صاد. والمختار
عندنا أن حكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء حروف ليس لها معنى مفهوم غير
مسمى تلك الحروف التي يتركب منها الكلام هي تنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه بعد
هذا الصوت من الكلام حتى لا يفوته منه شيء. فهي كأداة الافتتاح (ألا) وها
التنبيه، وإنما خصت سور معينة من الطول والمئين والمثاني والمفصل بهذا
الضرب من الافتتاح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلوها على المشركين
بمكة لدعوتهم بها إلى الإسلام وإثبات الوحي والنبوة، وكلها مكية إلا الزهراوين
البقرة وآل عمران وكانت الدعوة فيهما موجهة إلى أهل الكتاب وكلها مفتتحة بذكر
الكتاب إلا سورة مريم وسور العنكبوت والروم وسورة ن، وفي كل منها معنى مما
في هذه السور يتعلق بإثبات النبوة والكتاب.
فأما سورة مريم فقد فصلت فيها قصتها بعد قصة يحيى وزكريا المشابهة لها،
ويتلوهما ذكر رسالة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس مبدوءا كل منها بقوله
تعالى: ﴿واذكر في الكتاب﴾ (مريم: 16) والمراد بالكتاب القرآن. فكأنه قال
في كل من قصة زكريا ويحيى وقصة مريم وعيسى: ﴿واذكر في الكتاب﴾ (مريم: 16) وذكر هذه القصص في القرآن من دلائل كونه من عند الله تعالى؛