تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي بعض آخر بما هو وسط بينهما، مع اختلاف النظم والأسلوب والفواصل في

كل منها، بما يتجلى به الإعجاز أظهر التجلي من ناحية البيان، فوق الإعجاز من

ناحية الإخبار بالغيب، وتصحيح أغلاط التاريخ المأثور عند أهل الكتاب، وبيان

خلاصة دين الله (الإسلام) في العقائد والهداية التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام،

ونزاهتهم عما وصمتهم به كتب اليهود من النقائص والآثام.

ولو أن هذه القصص جاءت في السور المدنية لقال المغرور بفلسفة نقده

التحليلي: إن محمدا أخذ أكثرها من التوراة؛ لأن أهل مكة كانوا يجهلونها، بل

كانوا يجهلون هذا النوع القصصي في كلامهم تاريخيه ووضعيه جميعا، وقد

عدوا هذا من عيوب الشعر العربي ونقصه عن شعر الأعاجم، ولكانت هذه الشبهة

على قوله هذا أدنى أن تشتبه على طلبة الجامعة المصرية والعوام، من شبهته على

وجود تشريع الأحكام الشخصية والمالية والزوجية في القسم المدني، فإن الفرق بين

التشريعين الإسلامي والإسرائيلي في هذين النوعين وفي غيرهما عظيم جدا، كما

أن سبب تفصيله في المدينة دون مكة واضح جدا، وهو أن التشريع العملي مرتبط

بسلطان الحكم التنفيذي، فلا تشريع لمن لا يملك حكم التنفيذ، فالإسلامي أرقى

وأعلى من الإسرائيلي من كل وجه، وناهيك بكونه تشريعا عاما لجميع البشر في

جميع الأزمنة والأمكنة، ومن أسسه: المساواة في الحق والعدل بين جميع الشعوب

والقبائل، وجميع الأفراد فيهما، لا يميز فيه بين ملك وسوقة، ولا بين شريف

ووضيع، أو غني وفقير أو قوي وضعيف، والتشريع الإسرائيلي خاص بشعب

خاص مبني على تفضيله على جميع الشعوب بنسبه (لحكمة موقوتة بيناها في

مواضع من تفسير المنار) فلا يستطيع هذا الشعب نفسه تنفيذه في هذا العصر إن

عاد له الملك الذي يسعى له، بل هم قد تركوا معظم أحكامه من قبل أن يفقدوا الملك،

والقرآن يعيب عليهم تحريف كتابهم وجهلهم به، وعدم إقامته، وإيمانهم ببعضه

وكفرهم ببعض، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه عن النظر في كتبهم،

وأخبرهم أن نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام لو كان حيا لما وسعه إلا اتباعه؛

لأنه خاتم النبيين الذي جاء بالدين الكامل والشرع العام لجميع البشر، كما بشر الله

به موسى في التوراة، وكما بشر به عيسى عليه الصلاة والسلام المصلح في

شريعته، زد على هذا نعيه عليهم فساد أخلاقهم ولا سيما الحسد، والبخل، وأكل

السحت، واستحلال أكل أموال الناس بالباطل، ووصفهم بأنهم لا يفقهون ولا

يعقلون.

ألا يستحيي من يعلم هذا من مؤمن بالقرآن ونبي القرآن، أو كافر حر الفكر،

أن يفضل السور المدنية على المكية بتأثير مجاورة اليهود - وهذا حكمه عليهم -

ويدعي استمداد المهاجرين من ثقافتهم وتشريعهم، وهم الذين أصلحوا جميع شعوب

البشر بهداية القرآن، والتأسي بأكمل الخلق على الإطلاق؟ ؟ وقد أجمع مؤرخو

الإفرنج وغيرهم على أن أظهر أسباب نجاح الإسلام في انتشاره السريع وفتوحه

الكثيرة الظافرة ما كان عليه أهل الملل كلها من فسوق وفساد، والدول كلها من ظلم

واستبداد.

هذا ما يتسع له المجال من الفرق بين السور المكية والمدنية بالإجمال، وقد

التزمنا في تفسير المنار أن نكتب في آخر تفسير كل سورة خلاصة كلية لما في

السورة من الأصول والقواعد العامة التي تشتمل عليها، ومنها الفرق بين المكي

والمدني بالتفصيل. فمن راجع خلاصة سورة الأعراف المكية في الجزء التاسع من

تفسير المنار يرى في باب توحيد الله إيمانا وعبادة وتشريعا 12 أصلا، وفي باب

أصول التشريع 9 أصول، وفي باب آيات الله وسننه في الخلق والتكوين 14 أصلا،

وفي باب سنن الله تعالى في الاجتماع والعمران 7 أصول.

ثم إذا راجع خلاصة سورة الأنفال المدنية في الجزء العاشر يجد في أولها

مقدمة في الفرق بين السور المكية والمدنية هذا نصها:

(ينبغي أن يتذكر القارئ أن جل السور المكية في أصول الإيمان الاعتقادية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٨٧