تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يمكن البرء من الأدواء المالية والسياسية والحربية والاجتماعية كلها.

قد دعا بعض العلماء منكم إلى عقد مؤتمر من كبار علماء الشعوب كلها للبحث

في الوسائل التي يمكن أن تقي حضارة العصر من الدمار، ولئن عقد هذا المؤتمر

فلن يكون أمثل ولا أرجى من هذه المؤتمرات التي تعقدها الدول في جامعة الأمم

وعواصم السياسة وهي لما تزد الأدواء إلا إعضالا، والأخطار إلا تفاقما، وإنما

الدواء الواقي المضمون بين أيديهم وهم لا يبصرون، وحجته البينة تناديهم ولكنهم

لا يسمعون: ﴿ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ (الأنفال: 23) .

* * *

سؤال علماء الإفرنج

عن شبهاتهم على الدعوة المحمدية

(بعد تبليغهم لحقيقتها، ومكان أخبار القرآن منها)

وأما أنتم أيها العلماء المستقلو العقول والأفكار، فالمرجو منكم أن تسمعوا

وتبصروا، وأن تعلموا فتعملوا، ولكن دعوة القرآن لم تبلغكم حقيقتها على الوجه

الصحيح الذي يحرك إلى النظر؛ لأن الإسلام ليس له زعامة ولا جمعيات تبث

دعوته، ولا دولة تقيم أحكامه وتنفذ حضارته، بل صار المسلمون في جملتهم حجة

على الإسلام وحجابا دون حقيقته، وأرجو أن يكون هذا البحث كافيا في بلوغ

الدعوة إليكم بشرطها المناسب لحال هذا العصر، فإن ظهر لكم بها الحق فذلك ما

نبغي ونرجو لخير الإنسانية كلها، وإن عرضت لكم شبهة فيها فالمرجو من حبكم

للعلم، وحرصكم على استبانة الحق، أن تشرحوها لنا لنعرض عليكم جوابنا عنها،

والحقيقة بنت البحث كما تعلمون.

ولا أراكم تعدون من الشبهات الصادة عنه (بعد أن ثبتت أصوله بما ذكرنا،

أن فيه أخبارا عن عالم الغيب لا دليل عليها عندكم، فإنما مصدر الدين عالم الغيب)

ولو كان مما يعلمه البشر بكسبهم لما كانوا في حاجة إلى تلقيه من الوحي، وقد

بينا أن تعاليم الإسلام قد أثبتت أنها وحي من عالم الغيب وقامت برهانا على وجود

الله وعلمه وحكمته، فوجب أن تؤخذ أخباره بالتسليم، وحسبكم أنه ليس في القرآن

منها ما يقوم البرهان على استحالته.

وأما أخبار القرآن عن عالم الغيب والشهادة من تكوين وتاريخ فمن معجزاته

الإيجابية أنه جاء فيه كثير من التعبيرات التي كشف العلم والتاريخ في القرون

الأخيرة من معانيها ما لم يكن يخطر في بال أحد من أهل العصر الذي نزل فيه كما

أنه لم يثبت على توالي القرون بعد نزوله شيء قطعي ينقض شيئا من أخباره

القطعية، على أن أخباره هذه إنما جاءت لأجل الموعظة والعبرة والتهذيب، ويكفي

في هذا أن تكون الأخبار على المألوف عند الناس، ولا ينتقد عليها إذا لم تشرح

الحقائق الفنية والوقائع؛ لأنها ليست مما يبعث الرسل لبيانه، ولا يمكن الوقوف

عليها إلا بالتعمق في العلم أو الاستعانة بالآلات التي لم تكن معروفة عند المخاطبين

الأولين بالكتاب، بل لا يصح أن يأتي فيها ما يجزمون بإنكاره بحسب حالتهم

العلمية لئلا يكون فتنة لهم، وقد قال نبي الإنسانية العام: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)

رواه مسلم في صحيحه.

ومن دقائق تعبير القرآن في النوع الأول أن مادة الخلق (دخان) وهو عين

ما يسمى السديم، وأن السموات والأرض كانتا رتقا، أي مادة واحدة متصلة ففتقهما

الله وجعل كلا منهما خلقا مستقلا، وأنه جعل من الماء كل شيء حي، وأنه خلق

جميع الأحياء النباتية والحيوانية أزواجا فجعل في كل منها ذكرا وأنثى، وأنه جعل

كل نبات موزونا، وأنه أرسل الرياح لواقح وأمثال ذلك كثير.

وأعجب منه بيان كثير من سنن الاجتماع البشري التي لم يهتد البشر إليها

بالبحث العلمي التدريجي إلا عدة قرون فمن المناسب لهذا وما سبقه من عجائب

القرآن أن أختم هذا البحث كله بقوله عز وجل:

{قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق

بعيد} (فصلت: 52) * {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٤٥