باشا بالمسرة (التلفون) أنه يريد أن يكلمني في أمر مهم في داره إن لم يكن لدي
مانع من زيارته فيها في تلك الساعة أو عندي، وكنت في مدرسة الدعوة والإرشاد
فأجبته مخبرا بوجود المانع فجاء بنفسه وأطلعني على الكتابة الإنكليزية التي كتبها
اللورد على المنار وأخبرني الخبر وسألني عن رأيي فيه، فقلت له: إنني لن أدع
الرد على المبشرين ما داموا يطعنون في الإسلام ويدعون المسلمين إلى دينهم؛ لأن
الرد عليهم وتفنيد شبهاتهم فرض من فروض الكفاية لا أرى في البلاد مجلة ولا
جريدة تقوم بها، فإن تركتها كنت آثما كجميع القادرين عليها. قال: إن دولة
رئيس النظار يسوءه تعطيل المنار كما يسوءني وأود أن تساعدنا على اتقاء هذا
الشر، وهو يرجوك أن تقابله في داره وتأتي معك بالدكتور محمد توفيق صدقي
وتخبره بالوقت الذي تحضران فيه وأنا سأكون عنده لننظر في المسألة ففعلت.
جئت الوزير الرئيس بالدكتور في الموعد الذي اتفقنا عليه، وكان قد علم من
النائب العام أنني لن أكف عن الرد على المبشرين فأمر بدخولي عليه وحدي أولا
وبوضع الدكتور في حجرة الانتظار إلى أن يطلبه؛ لأنه كره أن يسمع ما يدور بيننا
من الكلام الحر الصريح، وكان ثروت باشا قد حضر، فبدأ الوزير يذكرني
بسيطرة الإنكليز على البلاد وشأن المبشرين عندهم وأنهم ضاقوا ذرعا بما ينشر في
المنار من الطعن في دينهم حتى طلبوا من الحكومة محاكمته لعقابه وتعطيله، وأنه
يشق عليه ذلك؛ لعلمه بقيمة خدمة المنار للإسلام، ويرغب إلي أن أكف عن ذلك
ليتخذه حجة على إقناع اللورد كتشنر بالعدول عن اقتراحه أو أمره الذي علمته.
قلت: إن ما أنشره في المنار قسمان: أحدهما تفسير آيات القرآن التي نزلت
في شأن النصارى ودينهم فلا بد من بيان معانيها وإقامة ما عندنا من الدلائل الدينية
والعقلية والتاريخية على صحتها، وثانيهما مقالات في الرد على المبشرين المعتدين
علينا في بلادنا: وهذا فرض من فروض الكفاية إلخ.
قال: إنك لا تقتصر على الرد بل تهاجمهم كثيرا.
قلت: ما يوجد في المنار من هجوم فهو في ميدان الدفاع إذ كانوا هم المعتدين
في الأصل، وإنما يتحقق معنى هجوم الاعتداء في إعلان الحرب وبدئها لا في كل
معركة منها، فإذا كان لهم الحرية في هذا دون المسلمين في حكومتنا فلتحكم علي
هذه الحكومة بما تشاء