إسلامية تتولى ذلك بنظام عام، إلا ما تجدد في هذه السنين الأخيرة من الجمعيات
الوعظية الضيقة النطاق، الضعيفة التأثير.
أول من فطن لمقاومة التنصير:
كان أول من فطن من المسلمين بأمر تنصيرهم في مصر المصلحان العظيمان
السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده في القرن الماضي. وقد كان أول
حادثة علمت في عهدهما مثل حوادثهم التي فطن لها الجمهور في هذا العهد، أن
طغمة التبشير الأمريكانية نصرت فتى مصريا وصارت تعرضه للوعظ العام الذي
يحضره كثير من المسلمين في كنيستهم بحي الأزبكية، فكبر ذلك على السيد فعهد
إلى جماعة من الإيرانيين بخطفه من الكنيسة ووضعه في مكان خفي ففعلوا وذهب
هو وتلميذه الأكبر الى ذلك المكان واستتابا الفتى، وأقنعاه بأن الإسلام هو دين الله.
وسعيا لتلافي مثل هذا الأمر لدى الحكومة فلم يسمع لهما أحد، وقد ركبا مرة عربة
وذهبا إلى محافظ العاصمة في يوم مطير كثير الوحل للاستعانة به على إنقاذه فلم
يحفل بسعيهما، فقال السيد للشيخ: إنه والله ليس في مصر مسلم غيري وغيرك.
أول من اقترح مراقبة الحكومة للمدارس الأجنبية فتقرر:
قد كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده أول من فكر في خطر المدارس
الأجنبية على مصر فاقترح على مجلس المعارف الأعلى الذي ألف في مصر بسعيه
سنة 1398 ه (1881 م) أن يقرر جعل جميع مدارس الأجانب في القطر
المصري تحت مراقبة الحكومة وتفتيشها وقد كان من معارضة أعضائه من الأجانب
لهذا الاقتراح ما كان، وكان من فوزه فيه بالوسائل الذي اتخذها له ما هو من
عجائب أعماله في خدمة الأمة (يراجع ذلك في ص 144 من تاريخ الأستاذ الإمام) .
وكان يجب على الحكومة المصرية أن تتخذ هذا القرار قانونا متبعا دائما ولكن
البلاد نكبت في ذلك العهد بالاحتلال الإنكليزي في إثر الثورة العرابية ففقدت
حكومتها كل سلطان كان لها على التعليم وغير التعليم، وألقيت مقاليد وزارة
المعارف المصرية في يد قسيس إنكليزي (مبشر) جعل سكرتيرا لها فمستشارا،
وكان من أمر التعليم الإسلامي والتربية في مدارسها ما أشرنا إليه آنفا، وقد
اعترفت إنكلترة لمصر بعد الحرب الكبرى بالاستقلال مقيدا بتحفظات لا تمس
التعليم الحكومي ولكن الدين الإسلامي لم يزدد بذلك إلا ضعفا في مدارس الحكومة
والأوقاف العامة والخاصة بالبيت المالك ويعارضه قوة دين النصرانية في جميع
المدارس الأجنبية.
مساعدة الاحتلال للتنصير واضطهاد المنار:
بلغ من مساعدة الاحتلال الإنكليزي لدعاية المبشرين بسيطرتها على الحكومة
أن أمر اللورد كتشنر وزير الأوقاف بإلغاء المستشفى الذي بنته الوزارة في مصر
القديمة بجوار مستشفى هرمن التبشيري؛ لأنه يصرف كثيرا من فقراء المسلمين
عنه فيحرمون من التبشير بالنصرانية، فوعده الوزير بأن سيبحث له عن مكان
بعيد عن مستشفى التبشير يصلح له فينقله إليه، ولكن الله تعالى صرف اللورد
المستبد عن هذه البلاد قبل أن ينفذ أمره هذا.
وقد أمر اللورد بما هو شر من ذلك استبدادا وتحكما في هذه الحكومة الصورية
لمساعدة النصرانية على الإسلام، أمر بتعطيل مجلة المنار؛ لأنها ترد على
المبشرين، وبنى ذلك على مقالة نشرت فيه بإمضاء الدكتور محمد توفيق صدقي
رحمه الله تعالى قالوا: إنها شديدة اللهجة، وقد كتب اللورد على الجزء الذي نشرنا
فيه تلك المقالة بخطه ما كتب، وأرسلها إلى النائب العام ليقيم الدعوى على صاحب
المنار ويحكم بعقابه وتعطيل مجلته.
وكان النائب العام عبد الخالق ثروت باشا والوزارة وزارة محمد سعيد باشا
(رحمهما الله تعالى) فكبر عليهما أن يعطلا المجلة الإسلامية الوحيدة التي تنشر
وتفاوضا في الأمر فاتفقا على أن يحاولا إقناعي بترك الرد على المبشرين والكلام
في النصرانية ليتوسلا بذلك إلى إقناع اللورد بعدم تعطيل المنار، فكلمني ثروت