حين يزني وهو مؤمن) إلخ وتأويل معصية آدم إذ قال الله تعالى: {ولقد عهدنا
إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} (طه: 115) حتى إذا تذكر الوعيد،
دفعه عنه بضرب من التأويل، كالرجاء في المغفرة، وقد قال الله تعالى: {إنما
التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله
عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر
أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا
أليما} (النساء: 17-18) فليراجع ما كتبناه في أحكامهما من الجزء الرابع من
تفسير المنار من شاء.
والآيات التي تدل على كفر هذا المتجنس من كتاب الله تعالى غير آية التولي
التي أشرنا إليه آنفا، وما في معناها كثيرة أظهرها في هذا المقام قوله تعالى: {ألم
تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن
يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} (النساء: 60) الآيات، فهي
صريحة في أن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وهو كل ما يخالف حكم
الله من أحكام المخالفين إنما هم منافقون غير مؤمنين بما أنزل الله وإن لم يتحاكموا
بالفعل؛ لأن الإرادة وحدها تنافي الإيمان، فكيف إذا نفذها مريدها بالفعل تنفيذا
دائما؟ فراجع تفسيرها في الجزء الخامس من تفسير المنار.
ومنها قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع
غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء:
115) فإن هذا المتجنس مشاق للرسول باختياره شرع الأجنبي على شرع الله على
لسانه، ومتبع غير سبيل المؤمنين في أزواجهم من زواج وطلاق وما يتعلق بهما،
وفي فرائض المواريث وغير ذلك من الأحكام الشخصية والمدنية، بل هو بهذا
التجنس راض ببذل ماله ونفسه في قتال المسلمين إذا دعته دولته إلى ذلك وهي
تدعوه عند الحاجة قطعا.
ففي المسألة أحكام كثيرة مجمع عليها معلومة من دين الإسلام بالضرورة
يستحل المتجنس مخالفتها، واستحلالها كفر بالإجماع، والأصل في الاستحلال عدم
المبالاة بأمر الله ونهيه لا النطق باللسان فقط، وقد قال الفقهاء: إن من اعتقد قبح
شيء من هذه الأحكام القطعية أو فضل غيرها يكون مرتدا عن الإسلام، وهذه
مسألة في غاية البداهة.
مسألة التجنس من الوجهة الشرعية السياسية:
وأما القضية السياسية الإسلامية في المسألة، وقد أشرنا إليها في عرض
الكلام فنوجز الكلام فيها كالقضية الأولى ومجال التطويل فيها أوسع فنقول:
إن الإسلام دين روحاني، ونظام دولي اجتماعي سياسي، وكل جانب من
جانبيه هذين معزز للآخر مكمل له، ولذلك كانت غايته سعادة الدارين الدنيا
والآخرة فموضوع الجانب الأول تزكية النفس البشرية بالعقائد الصحيحة والعبادات
المعقولة، والأخلاق العالية، والأعمال الشريفة النافعة؛ لتكون أهلا لجوار الله
تعالى في جنات الآخرة، وموضوع النظام الدولي حماية هذا الدين وكفالته والدفاع
عنه وعن أهله وأوطانه بالقوة، وإقامة الحق والعدل والحرية بين أهله وجميع
التابعين لدولته من غير أهله؛ لإقامة العمران، وإظهار سنن الله وأسرار خلقه
بترقي نوع الإنسان، فالجانب التعبدي الروحاني من الإسلام يكمل النظام المدني
بنفخ روح الصدق والإخلاص فيه حتى لا تكون السياسة وسيلة لمطامع الدنيا
وشهواتها وظلم الأقوياء للضعفاء فيها، والنظام المدني السياسي يكفل الجانب
التعبدي ويمكنه بجعل المتعبدين به أحرارا أعزاء، آمنين على أنفسهم في إقامته
لوجه الله تعالى لا يخافون فيه لومة لائم، ولا اعتداء معتد، كما بين الله لهم ذلك
فيما وعدهم به من استخلافهم في الأرض بقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم
وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم
دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا