الطيب بكلمي، وأعزز قلمه البليغ بقلمي، وإنها لرغبى محبوبة للمؤمن بالطبع،
ومظاهرة على الحق واجبة في الشرع، وتعاون على البر والتقوى، أمرنا الكتاب
العزيز بها، وهو قد وفى النقض للمطاعن الجديدة حقه، وقفى عليه بما كان من رد
له على ما قبلها من خطيئاته، فأدى الواجب في جزئيات المطاعن الخاصة، وزاد
عليه، وليس علي إلا أن أقول كلمة وجيزة في النازلة وأهلها من الوجهة العامة.
النابتة العصرية من الكتاب:
نبغ في الربع الثاني من هذا القرن الهجري نابتة من كتاب الأدب والسياسة
والتاريخ، اقتفوا أثر الإفرنج في الأساليب، وما يسمونه النقد التحليلي في الكتابة،
ومزج الكلام بالنظريات الحديثة والمسائل العلمية، فكان لما يكتبون رواج ووقع
حسن عند جميع المتعلمين على المناهج الحديثة، وأصاب بعضهم به شهرة بما
تنشره لهم الجرائد التي يؤيدون سياستها، وما تقرظه من مصنفاتهم، ناعتة إياهم
بأجمل النعوت، والألقاب المحببة إلى النفوس، وناهيك بدعوى تجديد حضارة
الأمة، وقيادتها إلى حيث تساوي أمم الإفرنج في عظمتها، وتمتعها بزينة الدنيا
وطيباتها.
وإن لبعض هؤلاء الكتاب مصنفات حرة مستقلة، وهم الذين يخدمون العلم
والتاريخ والأدب بباعث حب التحقيق، وإن لبعض آخر أهواء سياسية وإلحادية،
لمنافع لهم شخصية، على ما بيناه في المنار بالتفصيل، أشرنا إليه آنفا بالإجمال،
وهو موضوع كلامنا هذا، وشره وأضره الطعن على القرآن الحكيم.
إذا كان يوجد في الأوربيين من يتمحل الطعن على الإسلام، ولا يتنزه عن
التسامي إلى انتقاد القرآن، فلهم على ذلك باعثان: باعث ديني وباعث سياسي.
وذلك بأنهم رأوا أن الإسلام قد غلب النصرانية على أمرها في الشرق، وكاد
يغلبها في الغرب أيضا، بعد اعتزاز دولها، واستبحار ثروة كنائسها وإحكام نظمها،
فلم يجدوا وسيلة لصد تياره عن بلادهم، وسلبه لملكهم وتعريبه لشعوبهم إلا
بمحاربته بالافتراء عليه والطعن فيه، وبقتال أهله بالسلاح، ثم بالسياسة، فأحكموا
نظام الحربين بعد التمهيد لهما بتربية الشعوب النصرانية على بغض المسلمين،
وتلقينهم في البيوت والمدارس أن الإسلام هو العدو الأكبر للمسيحية، وما هو إلا
أخو المسيحية وصديقها، والمدافع عن حقها، والمتمم لإصلاحها، والمبرئ لنبيها
عليه الصلاة والسلام من طعن المفترين وشطط الغالين.
ويوجد منهم قوم آخرون لا يدينون بدين، وقد رأوا من معجزات القرآن ومن
أنزل عليه القرآن في العلم وهداية البشر وإصلاح شئونهم ما يلجئهم إلى الإيمان
والإذعان؛ إذ لم يجدوا لهذه المعجزات تأويلا ينظمونها به في سمط السنن الكونية،
فتكلفوا التأويل لها؛ لإبطال كونها من خوارق العادات والآيات الإلهية، فهذه أسباب
طعن الإفرنج ومريديهم وتلاميذهم من النصارى والملاحدة.
وأما المسلم فلا يعقل أن يبعثه شيء على الطعن في كتاب الله وفي هدي
رسوله، صلوات الله وسلامه عليه وآله، وهو برهان الكفر والردة، وكبرى
الجنايات القاتلة لهذه الأمة، فإن خفي عليه برهان شيء من عقائده، أو صحة شيء
من آياته، وجب عليه أحد أمرين: إما الجد في طلب العلم بالبحث عما جهل
والسؤال عنه، وإما تفويض الأمر في ذلك إلى الله تعالى.
بيد أن في المسلمين الجغرافيين زنادقة منافقين، وإن منهم ملاحدة شاكين،
وإن من زنادقتهم غاوين مشككين، يستخدمهم شرار أعداء الإسلام الدينيين
والسياسيين، وإن منهم من يزدلف إليهم بالتشبه بهم، وبدعوى (التنور) وحرية
الفكر والفلسفة، وإن من النابتة والعامة من ينخدع بشبهات هؤلاء وأولئك، وتغره
دعايتهم بما يزينها من خلابة القول، ووهم التجديد العصري، والانسلاخ من تقاليد
القديم الذي يصفونه بالخلق البالي، وإن كان كالفلك لا تخلق جدته، وكالشمس
والقمر لا تبلى محاسنه، ولا ينطفئ نوره، وهو القرآن الحكيم.
وإن لهذا التجديد دعاة من ملاحدتنا يوهمون الدهماء في بلاد الإسلام العربية