تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاكتفاء بقدر الحاجة من غيرها، وكان الأستاذ الإمام قد وضع الأساس للتعليم

القضائي والنظام لمدرسته، فكان لمدرسة القضاء الشرعي -بتولي أنجب تلاميذه

للتدريس فيها - أفضل أثر علمي ظاهر في أكثر ما ذكرنا من أنواع الإصلاح

واحتاج الأزهر إلى خريجيها وخريجي دار العلوم في تنفيد نظامه الجديد.

كل هذه الأنواع من الإصلاح وجدت في الأزهر، وكان للمنار من النصيب

فيه مع الأستاذ الإمام وبعده ما نبينه في خاتمة هذا الكتاب، ولا يمكن نزعها منه،

ولكن الترقي فيها وإتقانها يتوقف على حسن الإدارة، ووجود الرجال أولي الكفاية

والكفاءة العلمية والخلقية والإخلاص مع الاستقلال في العمل وأنى له بهم؟

حاضر الأزهر ومستقبله، وما يمكن أن يصلح به:

إن الأزهر لم يستطع الرجوع إلى عهد القرن الماضي؛ وما كان فيه من بقايا

الصلاح والقناعة، ولم يستطع السير على النظام الجديد في أنواع ترقيه،

واضطربت أحواله فتدخلت الحكومة في أمره، ووضعت له قانونا جديدا نقح فيه

النظام الذي كان قبله، ولكنه وضع فيه تحت سيطرة الحكومة (خلافا لخطة الأستاذ

الإمام الذي كان واقيا له من ذلك كما بيناه في المنار وفي تاريخه) فوقع في مأزق

جديد وهو التجاذب والتدافع بين البلاط والوزارة، واحتيج إلى تنقيح آخر ووضع

له قانون جديد أدخله في طور عصري مدني هو باعث الخوف عليه كما تقدم.

والتحقيق أن الأزهر لن يصلح ويصير أهلا لخدمة الإسلام، والدفاع عنه،

والدعوة إليه بما تقتضيه علوم هذا العصر وحضارته، إلا بعد أن يصير مستقلا

بنفسه في إدارة التعليم والتربية بدون سيطرة عليه فيهما. وبعد أن تكون نفقته من

الأوقاف وخزينة المالية رهن تصرفه بنص الدستور لا سيطرة عليه فيها، وبعد أن

يكون رئيسه وأعضاء إدارته منتخبين من أهله انتخابا حرا بنظام، وبعد أن تكون

رتب العلم فيه من نفسه لا من الحكومة ولا من ملك البلاد، ولا يرجى أن يرتقي

الأزهر إلى هذه الحرية بالتربية الحاضرة فيه ولا بمثل التربية القديمة، وإنما كان

يرجى أن يبلغها ويرتقي إليها بإدارة الأستاذ الإمام لو تم له الأمر فيها.

في هذه الأثناء ولي أمر المشيخة ورياسة المعاهد الدينية الأستاذ الجليل الشيخ

محمد مصطفى المراغي وكان رئيس المحكمة الشرعية العليا من بعد أن كان قاضي

القضاة في السودان، وهو ممتاز بعزة النفس والعزيمة واستقلال الفكر ومتانة

الأخلاق ومعرفة حال الزمان، ومتمرسا بدقة النظام، فسر به محبو الإصلاح

والتجديد من علماء الأزهر وطلابهم وسائر فضلاء الأمة وابتأس الجامدون

والخرافيون منهم، خوفا منه على جاههم ورزقهم، ولكنه أمنهم من خوفهم، وأقرهم

على أعمالهم ورواتبهم، وحاول تنفيذ التجديد بالقادرين عليه من غيرهم، والبحث

عنهم أينما كانوا من أرض الله تعالى.

وضع القانون الجديد للأزهر برأيه، وعرضه على أهل الحل والعقد من

رجال الوزارة ومندوبي البلاط الملكي وتولى الدفاع عنه بنفسه، حتى إذا ما وقع

الخلاف بينه وبينهم في بعض مواده الأساسية وتعذر عليه الإقناع بوجهة نظره،

استقال من منصب المشيخة ورياسة المعاهد غير آسف على جاهها، ولا مبال بكبر

راتبها، فساءت استقالته جميع محبي الإصلاح من الأزهريين وغيرهم، وعدوه

مليما في فعلته، مع الإعجاب بعزة نفسه وعلو سجيته؛ لأنه كان خير ربان لهذه

السفينة في هذا الطور الانتقالي الخطر، يرجى أن يبلغها ساحل المستقبل

الاستقلالي آمنة من الغرق في لجج الحياة المادية والتفرنج، ولقد كان بعض

المعجبين بالأستاذ من أهل الرأي يخشون أن يعجز عن تحقيق هذا الرجاء فيه، ولو

كان القانون موافقا لرأيه، فكيف وقد زال رجاؤه هو فيه فاستقال. وخلفه من علمنا،

ورأينا من سوء إدارته ما رأينا.

ولي المشيخة والرياسة بعده الأستاذ الشيخ محمد أحمد الظواهري، ففرح به

الجامدون والبدعيون، ووجم المستقلون المجددون، وخابت آمال المصلحين، ولا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٢٤