فاستفاد منه بعض شبان الأزهر دون شيوخهم، وكان الذي تولى السعي لإصلاح
الأزهر مريده الأكبر وخليفته الوحيد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كما يعلمه جميع
المتعلمين في هذه البلاد في الجملة، وإنما تفصيله الأتم الأوفى في مجلدات المنار
وفي التاريخ المفصل الذي دوناه في سيرته وسيرة السيد جمال الدين، وقد علم منه
أن الأزهر كان كالمحتضر؛ لأن الحكومة سائرة بالأمة إلى غاية لا تشعر فيها بأن
لها أدنى مصلحة في الأزهر، فكان لا بد له من إصلاح يقنع الأمة والحكومة بأنه لا
بد لهما منه، وهذا بعض ما كان يقصده الأستاذ الإمام.
وأما غرضه الأسمى من إصلاحه فهو تخريج نشء جديد من جميع الشعوب
الإسلامية جامع بين التقوى والأخلاق الفضلى وبين العلم الاستقلالي المثمر لترقية
اللغة وإحياء علوم الدين، والتمكن من الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه.
قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى: إنني بذرت في الأزهر بذرا إما أن ينبت
ويثمر فيصلح به الأزهر ويقوم بما يجب عليه للإسلام، وإما يسقط الأزهر ويزول.
وإننا نرى أن ذلك البذر قد نبت نباتا حسنا وطفق يثمر أطيب الثمرات، ولو
أتيح له بعده من يتعاهده بسقيه وتنقيته من الأعشاب والحشرات لأثمر وأينع وأتى
أكله مضاعفا، وهاك الإشارة إلى فوائد ذلك الإصلاح سالبا وموجبا:
(1) وضع النظام لإدارة الأزهر والمعاهد التابعة له، وقضى عشر سنين
في تنفيذه قاسى فيها ما قاسى من المعارضة والمناهضة، حتى صار النظام مألوفا
متفقا عليه، وإنما يعوزه التنقيح، والحرية في حسن التنفيذ.
(2) كان من تأثير قراءته لأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز فيه ثمرة ظاهرة
في اللغة وآدابها، فكثر الكتاب المجيدون، والخطباء المرتجلون.
(3) كان من تأثير قراءته للبصائر النصيرية في المنطق ومن أسلوبه في
سائر دروسه أن ضعفت جهالة التقليد الأعمى لعبارات الكتب، وقويت مكانها فكرة
الاستقلال في الفهم، والاستدلال الصحيح في العلم، ولكن هذا خاص ببعض
الأذكياء من تلاميذه وتلاميذهم، ولا سيما أساتذة مدرسة دار العلوم منهم.
(4) كان من تأثير قراءته لرسالة التوحيد وتفسير القرآن الحكيم أن عرف
الكثيرون عقائد الإسلام معرفة استقلالية برهانية لا كلامية تقليدية، واهتدوا إلى ما
في القرآن من الحكم والفضائل والآداب، ووجوب الاهتداء به في الوعظ والإرشاد
والأخلاق الدينية، وعرف قليلون ما فيه من الإصلاح السياسي والحكمة الاجتماعية.
(5) تبع ما ذكر من إصلاح اللغة والفكر والدين التصدي لمقاومة ما أفسد
المسلمين من البدع والخرافات والتقاليد والعادات، فصار أنصارها يقلون بالتدريج
البطيء، وعاقبتهم الانقراض والزوال، وإن راجت سوقهم في هذه الأيام، فظهر
في كل من جاوه والجزائر شيخ أزهري من أنصار البدع القبوريين، كل منهما
يخذل السنة وعلماءها، وينصر البدع ودعاتها، معتزا بالنسبة إلى الأزهر، ووجد
من وعاظ الأزهر في الأرياف من نهى المسلمين عن الصلاة خلف أمام سلفي العقيدة
يقول: إن الله تعالى مستو على عرشه فوق السموات من غير تمثيل ولا تأويل.
ولكن أكثر الوعاظ الظاهرين سلفيون أو غير خرافيين.
(6) تبع ذلك اقتناع كثير من النابتة الجديدة بضرر الأسلوب الأزهري
السابق في التعليم وهو قراءة الكتب التي يسمونها المخدومة أي المركبة من المتون
والشروح والحواشي والتقارير ومناقشة كل منها لعبارات التي قبلها، حتى
تقرر أخيرا تحضير بعض الدروس بعبارات جديدة.
(7) الاقتناع بالحاجة إلى العلوم الرياضية والاجتماعية والصحية والتاريخ
الطبيعي والسياسي وتقويم البلدان وغير ذلك - بعد أن قامت قيامة الشيوخ لمقاومة
تعليم الحساب العلمي وتقويم البلدان، وقد وقع الاتفاق أخيرا على الزيادة على هذه
العلوم.
(8) الاقتناع بوجوب (التخصص) لإتقان بعض الطلاب لبعض العلوم