تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التعبد بهذه المناقشة التي عبر عنها شيخنا الأستاذ الإمام بقوله: إنهم يتعلمون كتبا لا

علما، وبقوله في رسالة التوحيد في وصف هذه الكتب: اختارها العجز وفضلها

القصور.

ولكن الأوقاف على الأزهر وأروقته ظلت تتوالى من الأمراء والأغنياء وهي

التي حفظته وجعلته مثابة إلى الآن أتى على الأزهر ثلاثة قرون لم ينبغ فيها عالم

مستقل في علم من العلوم كعلماء القرون الأولى أو الوسطى إلى القرن العاشر كابن

عبد السلام وابن دقيق العيد من الجامعين، والحافظ العراقي والحافظ العسقلاني من

المحدثين، وكذا السخاوي والسيوطي من بعدهما، وكابن هشام من علماء العربية،

ومن الغريب الذي كان مجهولا في مصر أنه نشأ في القرون الثلاثة الأخيرة أفراد

من علماء الشرع المستقلين والإحصائيين في سائر الأقطار الإسلامية كالمقبلي

والشوكاني وابن الوزير والمرتضى الزبيدي في اليمن، والشهاب الآلوسي في

العراق، وابن عابدين في الشام، والسيد جمال الدين في الأفغان، والسيد حسن

صديق خان في الهند، وناهيك بنهضة علوم الحديث في الهند من عهد ولي الله

الدهلوي إلى الآن، وفي هذه القرون ضعفت علوم الحديث في الأزهر حتى ذابت

وزالت، ولم يبق لها مدرس مفيد، ولا طالب مستفيد.

وما زال العلم في الأزهر يهبط ويتدلى، ويتقلص كالظل ويتولى، والشعب لا

يشعر بما يصيبه لغلبة الجهل عليه، حتى جاءت الدولة العلوية بالنهضة المدنية

العصرية وصارت تبعث البعوث إلى أوربة لتلقي العلوم والفنون فيها، فكان هذا

العصر عصر القضاء المبرم الأخير على دولة الأزهر وعزه ومكانته في الأمة،

وخدمته للملة، وإن كان الإقبال على المجاورة فيه قد زاد ولم ينقص، فأبناء

الفلاحين قد كثروا فيه بعد وضع نظام الجندية وإعفاء طلبة العلم من خدمتها

بالشخص أو المال، والمجاورون من الأقطار كثروا لقلة العلم في بلادهم ووجود

جراية الوقف التي يستعينون بها، كذلك ظل عدد طلاب العلم يكثر والعلم نفسه يقل،

وهاك بيان سبب ذلك مجملا:

دخلت البلاد المصرية في طور جديد بتجدد الدولة ما كان يمكن أن يبقى علم

الأزهر فيه على ضعفه كافيا للأمة في تقرير عقائدها والدفاع عنها، ولا في طريقة

تدريس الشريعة والتأليف فيها، ولا في الأدب النفسي واللغوي، ولهذا آل الأمر في

هذه الدولة إلى ترك أحكام الشريعة المدنية والجزائية (العقوبات) والسياسية

والعسكرية والمالية، ونسخها بالقوانين الأوربية، وكثرت المدارس الإفرنجية

والأميرية المقلدة لها من عهد إسماعيل باشا، ثم جاء الاحتلال الإنكليزي فكانت له

السيطرة على مدارس الحكومة، وكادت تلغى المحاكم الشرعية لشدة شكوى الأمة

منها، لولا ما تصدى له الأستاذ الإمام من إصلاحها وتولى جميع أعمال الدولة حتى

التعليم في مدارسها من يتعلمون فيها أو في مدارس أوربة، فصار المتخرجون في

الأزهر كالعالة على الأمة يعتقد حكامها وزعماؤها أنهم لا يصلحون لعمل ما فيها،

واشتد التفرنج من عهد إسماعيل باشا وما فيه من حرية الإلحاد والفسق والسرف

والبذخ حتى كاد يقضي على الأمة والدولة، ولم يرتفع من الأزهر صوت في إنكار

شيء من ذلك، ولم يتخرج فيه أو يخرج منه عالم يدعو إلى الإصلاح والتجديد،

ولا كتاب مؤلف فيه علم جديد، من دفاع عن الإسلام أو دعوة إليه - إلي أن ظهر

الموقظ المجدد الأفغاني وتلاه المصلح المصري. فكان الثاني أول أزهري دعا إلى

إصلاح الأزهر بعد عودته من النفي، وكانت مجلتنا (المنار) لسان حاله، وأقوى

مظاهر له في إصلاحه.

تجديد الحكيم الأفغاني والمصلح المصري للأزهر وغيره:

وفد السيد جمال الدين الأفغاني على مصر في أواخر القرن الثالث عشر

للهجرة (سنة 1286) في عهد الخديو إسماعيل باشا، وحال البلاد وأزهرها على

ما نعلم، فكان أول من أيقظ الأفكار إلى وجوب التجديد والإصلاح الديني والمدني،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٢٢