لإصلاحهم.
ولما كان الإسلام هو دين الإنسانية العام الدائم الجامع لكل ما تحتاج إليه جميع
الشعوب من الهداية الدينية والدنيوية وجب على العقلاء الأحرار والعلماء المستقلين
الذين يتألمون من المفاسد المادية التي تفاقم شرها في هذا العهد أن يعنوا بهتك تلك
الحجب التي تحجبهم عن النظر فيه، وإزالة الموانع التي تعوقهم عن فهم حقيقته.
***
بيان هذا الكتاب لحقيقة الإسلام
بما تقوم به الحجة على جميع الأنام
أما بعد فإنني أقدم لهم هذا الكتاب الذي صنفته في إثبات (الوحي المحمدي)
وكون القرآن كلام الله عز وجل، وكونه مشتملا على جميع ما يحتاج إليه البشر من
الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي والمالي والحربي. وقد أطلت في بيان هذه
المقاصد الأساسية بعض الإطالة؛ لأنها مثار جميع الفتن والمفاسد التي يشكو منها
عقلاء هذا العصر، وأما توفية هذا الموضوع حقه فلا يكون إلا في سفر كبير يجمع
مقاصد القرآن كلها مع بيان حاجة البشر إليها في أمور معاشهم ومعادهم، وهو ما
أبينه في تفسير المنار بالتفصيل في شرح آياتها، وبإجمال قواعد كل سورة
وأصولها في آخر تفسيرها.
على أنني لم أكتب هذا البحث أول وهلة لهذا الغرض، وإنما بدأت منه
بفصل استطرادي لتفسير آية: ﴿أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم﴾ (يونس: 2) إلخ من أول سورة يونس بينت به الدلائل القطعية على أن القرآن
وحي من الله تعالى كان محمد صلى الله عليه وسلم يعجز كغيره عن مثله بعلمه
ولغته، وأنه أعم وأكمل وأثبت من كل وحي كان قبله، وأن حجته قائمة على
المؤمنين بالوحي وغيرهم، ثم بدا لي في أثناء كتابته أن أجرده في كتاب خاص
أدعو به شعوب الحضارة المادية من الإفرنج واليابان إلى الإسلام، بتوجيهه أولا
إلى علمائهم الأحرار، حتى إذا ما اهتدوا به تولوا دعوة شعوبهم ودولهم إليه بلغاتهم،
ولهذا زدت فيه على ما كتبته في التفسير، ووضعت له الخاتمة التي صرحت فيها
بالدعوة وجعلتها هي المقصودة بالذات منه.
ولو أنني قصدت هذا منذ بدأت بالكتابة لوضعت له ترتيبا آخر يغنيني عن
بعض ما فيه من الاستطراد والتكرار بتحقيق كل مسألة في موضعها، على أن
بعض ما فيه من الاستطراد والتكرار متعمد فيها. ولكنني كتبته في أوقات متفرقة،
وحالات بؤس وعسرة، لا أراجع عند موضوع منها ما قبله، ولا أعتمد إلا على ما
أتذكره من القرآن نفسه، على صعوبة استحضار المعاني المتفرقة في سوره، وإلا
بعض الأحاديث في مواضعها من كتبها لتخريجها والثقة بصحتها، وإني أحيل
القارئ له في كل إجمال على مراجعة تفسير المنار في تفصيله، وفي كل إشكال
على مراجعة محرره: محمد رشيد رضا
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) يعني العرب الذين تغلب عليهم البداوة حتى في حواضرهم كمكة ويثرب.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">