تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التجديد بذم ما كان من تشددهن في الحجاب ووصف مساويه من ضعف الصحة

والجهل بفن التربية والتدبير المنزلي والاقتصاد، والحرمان من مجامع العلم،

والأدب والسياسة، وفي دعوتهن إلى السفور والاختلاط بالرجال في المحافل العلمية

والأدبية.

فكانت عاقبة تحقير القديم وتزيين الجديد لهن أن زدن على السفور الذي هو

كشف الوجه ما نراه من هتك الستور، والخروج إلى الأسواق والمتنزهات كاسيات

عاريات، والرقص مع الرجال، والسباحة معهم في البحار والأنهار، فأضعن

جميع فضائل الحجاب القديم، واستبدلن بها جميع رذائل التفرنج الجديد، ولم

يستفدن شيئا من المنافع الاجتماعية والاقتصادية، كان يتعذر عليهن استفادته مع

المحافظة على الحياء والصيانة الإسلامية.

هذا ما يخشاه أكثر المسلمين على الأزهر من نظامه الحديث حتى دعاة التجديد

العصري، وقد نشر بعضهم هذا الرأي في الصحف، وعبر عنه الشاعر الأديب

محمد أفندي الهراوي في قصيدة أنشدها في الحفلة السنوية لجمعية الشبان المسلمين

بقوله فيها مخاطبا جلالة الملك:

والأزهر المعمور أين مكانه؟ ... سل عنه أين؟ وأنت فوق مكانه

فرحوا وهم يبنون كلياته ... فليفرحوا بالطوب تحت دهانه

من يوم أن نقلوه من جدرانه ... قد طار سر الله عن جدرانه

فاسأل عن الأخيار من علمائه ... واسأل عن الأطهار من شبانه

المتقين الله حق تقاته ... الحافظين لدينهم وكيانه

العالمين بشرعه وكتابه ... العاملين بروحه وبيانه

والزي! حتى الزي لم يبقوا له ... ظلا لجبته ولا قفطانه [1]

مولاي يا ملك البلاد. وذخرها ... وملاذ هذا الدين عند هوانه

مصر بأزهرها القديم كما بدا ... بالطابع الموروث منذ زمانه

فأعد إليه عهده واستبقه ... تدفع به الإلحاد في عدوانه

ليس هذا الشاعر ومن على رأيه بمخطئين في خوفهم على الأزهر في هذا

الطور من الانقلاب السريع، ولكنهم لم يحيطوا بحال الأزهر علما؛ إذ ظنوا أن في

شيوخه وطلابه في هذا القرن من يشبهون علماء القرون الخالية في الانقطاع للعلم

لوجه الله تعالى، مع الزهد في حطام الدنيا ومناصبها، وعزة النفس، وعلو

الأخلاق، الذي كان به علماء الدين موضع ثقة الشعب واحترام الحكام، بحيث

يرجى أن تجد الأمة منهم مثل الشيخ عز الدين بن عبد السلام الذي كان يصرح بأن

أمراء مصر الترك هم من الرقيق الذين لا تجوز معاملتهم معاملة الأحرار في زواج

ولا بيع ولا شراء، فضلا عن عد أحكامهم شرعية تجب طاعتها، فتعطلت

بتصريحه مصالحهم، فلما هدده السلطان وأنذره العقاب شرع في الهجرة إلى الشام

بأسرته، وهى وطنه الأصلي، وشرع أهل مصر في اتباعه، حتى اضطر

السلطان إلى الركوب خلفه بنفسه واسترضائه، ولم يرض ويرجع عن فتواه ببطلان

إمارتهم إلا بعقد مجلس من التجار باعهم هو فيه بالمزاد، وأعتقهم الذين اشتروهم

في الحال، كما حكاه السبكي في طبقات الشافعية.

أو بحيث يوجد فيهم مثل الشيخ القويسني من المتأخرين الذي لم يفرح محمد

علي باشا الكبير بموافقته له على عمل من أعماله إلا مرة واحدة فافتخر بذلك،

وصرح بأن هذه أول مرة قال له الشيخ القويسني شيخ الأزهر: أحسنت وأصبت،

وكيف لا يسر محمد علي بذلك وهو مدين بإمارته للأزهر وزعماء رجال الدين وهم

الذين اختاروه لحكم البلاد ونصبوه واليا عليها، وألزموا الدولة العثمانية صاحبة

السيادة الرسمية إقراره عليها، وفي عهد دولته بدأ ينحط نفوذهم وتزول زعامتهم،

حتى وصلت إلى ما يعلمه كل أحد في هذا العهد الذي يرشق فيها شيخ الأزهر في

الجرائد يوما في إثر يوم بأرجال من سهام النقد والتجريح، والتثريب والتفنيد، لا

في سوء إدارة الأزهر وكونه صار في عهده بيئة تجسس ومحاباة فقط، بل في

التقصير في المصالح الإسلامية العامة وفي مقاومة البدع الخرافية، وفي الدفاع عن

العقائد الدينية، وعن شعوب المسلمين الذين تحاول بعض دول الاستعمار ردهم عن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٢٠