في الغرب أو في الشرق نبي جديد بدين جديد يصلح الله بهدايته فسادها، ويقوم بها
منئادها؛ لأن الأديان المعروفة لهم لا تصلح لهذا العصر، وقد فسد حال جميع أهلها،
وكان ما يسمونه دين المحبة مصداقا لآية: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء
إلى يوم القيامة} (المائدة: 14) .
الحجب بين الإفرنج وحقيقة الإسلام:
بيد أن هؤلاء لا يعرفون حقيقة دين القرآن، وهو الدين الإلهي العام، والمانع
لهم من معرفته ثلاثة حجب تحول دون النظر الصحيح فيه، وعدم فهمهم للقرآن كما
يجب أن يفهم، فأما الحجب دونه فهذا بيانها بالإيجاز:
(الحجاب الأول) الكنيسة أو الكنائس التي عادته منذ بلغتها دعوته،
وطفقت تصوره بصور مشوهة باطلة بدعاية عامة فيها من افتراء الكذب وأقوال
الزور والبهتان، ما لم يعهد مثله في أهل ملة من البشر في زمن من الأزمان،
وألفت في ذلك من الكتب والرسائل والأغاني والأناشيد والقصائد، ما يعرف بطلانه
كل مؤرخ مطلع على الحقائق، ثم إنها جعلت تشويهه ووجوب معاداته من أركان
التربية والتعليم في جميع المدارس التي يتولى أتباعها تعليم الناس فيها، فما من أحد
يتعلم فيها من أتباعها إلا وهو يعتقد أن جميع المسلمين أعداء للمسيح وللمسيحيين
كافة فيجب عليه عدواتهم ما استطاع، والحق الواقع أن الإسلام هو صديق
المسيحية المتمم لهدايتها، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الفارقليط روح الحق
الذي بشر به المسيح عليه السلام
(الحجاب الثاني) رجال السياسة الأوربية، فإنهم ورثوا عداوة الإسلام من
الكنيسة، وتلقوا مفترياتها في الطعن عليه بالقبول، وضاعف هذه العداوة له
والضراوة بحربه، طمعهم في استعباد شعوبه واستعمار ممالكهم.
وإذا كان رجال الدين قد ملئوا الدنيا كذبا وافتراء على الإسلام - ومن أسس
الدين الصدق وقول الحق والحب والرحمة والعدل والإيثار - فأي شيء يكثر فعله
على رجال السياسة، وأساس بنائها الكذب وأقوى أركانها الجور والظلم والعدوان
والقسوة والأثرة والخداع، وهو ما نراه بأعيننا ونسمع أخباره بآذاننا كل يوم في
المستعمرات الأوربية؟ بل نحن نعلم أن سبب افتراء رجال الدين على الإسلام هو
السياسة لا الدين نفسه، وإن قاعدتهم المشهورة (الغاية تبرر الواسطة) سياسية لا
إنجيلية، فما كان لدين أن يبيح الجرائم والرذائل باتخاذها وسيلة لمنفعة أهله، وإن
دينية.
(الحجاب الثالث) سوء حال المسلمين في هذه القرون الأخيرة، فقد فسدت
حكوماتهم وشعوبهم، واستحوذ عليهم الجهل بحقيقة دينهم ومصالح دنياهم، حتى
صاروا حجة لأعدائهم فيهما على أنه لا خير فيهم ولا في دينهم، وأمكن لهؤلاء
الأعداء أن يقنعوا بهذه الحجة الداحضة أكثر من يتخرج في مدارسهم السياسية
والتبشيرية من ملتهم، حتى نابتة المسلمين أنفسهم، وهم يختارون من هذه النابتة
الأفراد التي تتولى أعمال الحكومة والتعليم في مدارسها في كل قطر خاضع لنفوذ
دولهم الفعلي، بأي اسم من أسمائه من فتح وامتلاك وحماية واحتلال وانتداب، أو
لنفوذهم السياسي والتعليمي كما فعلوا في بلاد الترك وإيران، لتساعدهم على هدم
كل شيء إسلامي فيها من اعتقاد وأدب وتشريع، وقد كان السيد جمال الدين
الأفغاني حكيم الإسلام موقظ الشرق يرى أن هذا الحجاب أكثف الحجب الحائلة بين
شعوب أوربة والإسلام، ونقل لي الثقة عنه أنه قال: إذا أردنا أن ندعو أوربة إلى
ديننا فيجب علينا أن نقنعهم أولا أننا لسنا مسلمين، فإنهم ينظرون إلينا من خلال
القرآن هكذا: - ورفع كفيه وفرج بين أصابعهما - فيرون وراءه أقواما فشا فيهم
الجهل والتخاذل والتواكل فيقولون: لو كان هذا الكتاب حقا مصلحا لما كان أتباعه
كما نرى.
لا ننكر أن بعض أحرار الإفرنج قد عرفوا من تاريخ الإسلام ما لم يعرفه أكثر
المسلمين فأنصفوه فيما كتبوا عنه من تواريخ خاصة، ومن مباحث عامة في العلم