تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل

فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره اه.

أقول: هذه الرواية تقوي رواية عبد الله بن جعفر عن حليمة ويحتمل أن

يكون أنس سمعها منه فهو لم يقل: إنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم ولا

من غيره، وحماد بن سلمة تركه البخاري وهو من أثبت من روى عن ثابت

البناني، ولكنه تغير بعد كبر سنه وساء حفظه، على أن أنسا رضي الله عنه كان

بعد كبر سنه ينسى بعض ما حدث به، ويقال: إن مسلما تحرى من رواية حماد

عن ثابت ما سمعه منه قبل تغيره.

ثم أخرج مسلم عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال سمعت أنس بن مالك

يحدثنا عن ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة

نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام وساق الحديث بقصة نحو حديث

ثابت البناني وقدم فيه شيئا وأخر وزاد ونقص اه. وهي معارضة بما يأتي،

وهو أصح منها.

أقول: رواية شريك عن أنس في قصة الإسراء والمعراج طويلة، وفيها أنها

كانت قبل البعثة، وهي مخالفة لرواية ثابت البناني من كل وجه، وقد أخرجها

البخاري برمتها في التوحيد، وفيها أن القصة ومنها شق الصدر كانت رؤيا منامية.

وأقوى الروايات في شق الصدر ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس

ابن مالك عن مالك بن صعصعة من حديث الإسراء والمعراج الطويل، وليس لمالك

هذا غير هذا الحديث الذي يرويه أنس عنه وفيه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم

حدثه عن ليلة أسري به قال: (بينما أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر -

مضطجعا - إذ أتاني آت فقد - قال: وسمعته يقول فشق - ما بين هذه وهذه - أي

أشار إلى ثغرة نحره وآخر بطنه - فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب

مملوءة إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد) . هذا لفظ البخاري وزاد مسلم (ثم

حشي إيمانا وحكمة) إلخ، ومن المعلوم بالضرورة أن الإيمان والحكمة ليسا مادة

جسمانية فتوضع في القلب الجسماني.

وجملة القول: أن الروايات في شق الصدر مختلفة من عدة وجوه، وأقواها

أنه كان ليلة الإسراء بعد البعثة، وحملها بعضهم على التعدد، وقد كانت في حالة

بين النوم واليقظة، وفي رواية شريك في حالة النوم؛ لأنه يقول في أولها: (بينا

أنا نائم) في أخرها (ثم استيقظت) والاختلاف فيها كالاختلاف في سائر أخبار تلك

الليلة، سببها أنها أخبار عن أمور غيبية فالإحاطة بها تتعذر أو تتعسر.

والظاهر من مجموعها أنها تمثيل لحفظ نفس النبي صلى الله عليه وسلم وقلبه

من حظ الشيطان من سائر بني آدم بالوسوسة والإغواء، فالمراد منها أن الله تعالى

طهر نبيه وصفيه من كل ما لا يليق بمنصبه الأعلى من الشهوات والأهواء التي

هي موضوع وسوسة الشيطان، وكثيرا ما تتمثل المعاني بالصور الحسية في المنام

وفي الكشف الروحاني كما ثبت في رؤى النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرة، وفي

رؤيا يوسف عليه السلام، والرؤى التي أولها لصاحبيه في السجن ثم لملك مصر.

وقد استشكل بعض الفقهاء استعمال طست الذهب وأجابوا عنه بأنه كان قبل

تحريم استعمال أواني النقدين، وهي غفلة تامة من وجوه من أظهرها أن جبريل

عليه السلام مكلف في عالم الغيب وفي تصوير الحقائق للنبي صلى الله عليه وسلم

بالصور الحسية، وأن يتبع فروع الشريعة العملية، وقد لمح هذا الحافظ ابن حجر

فقال بعد ذكر جوابهم الأول: ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص

بأحوال الدنيا وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب فيلحق بأحكام

الآخرة، والظاهر ما حققناه؛ إذ لا يعقل سواه، وقد علمت منه أن دعوى رؤية

أخي النبي في الرضاع لشق الصدر ورؤية أنس لأثر المخيط فيه لا تصحان، ولو

كان في صدره أثر خياطة لرواها أمهات المؤمنين وغيرهن لغرابتها، ولما هاجر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١١٢