في دعائه: (اللهم فشفعه في) فدل ذلك على أن معنى قوله (يا رسول الله إني
أتوجه بك إلى ربي لتقضي حاجتي، اللهم فشفعه في) أي أتوجه بدعائك وشفاعتك
والفرق بين من دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وشفع فيه وبين من ليس كذلك
كالفرق بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء
والأموات، والذين يعلمون والذين لا يعلمون.
ثم إنا نأخذ على الأستاذ الشنقيطي قوله عن كاتب هذه السطور (رجال مذهبه
الوهابي) وكنت أرجو أن ينزه قلمه عن الغمز والنبز باللقب؛ فإن رجال الوهابية
لا مذهب لهم في الفروع إلا اتباع إمام السنة أحمد بن حنبل، ولا في أصول الدين
إلا مذهب السلف الصالح، فهل في هذا أو ذاك ما يعاب؟ وهنا أذكر الأديب
الشنقيطي بقول القائل:
إن كان تابع أحمد متوهبا ... فأنا المقر بأنني وهابي
وبما يعزى إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
وقد زعم الشنقيطي أن كتب الشيخين ابن تيمية وابن عبد الوهاب طافحتان
بتكفير المتوسلين، وعجب لي كيف لم أدرسها وأنا بمكة، ثم رجح أني جنحت إلى
الإنكار بعد الدرس والاطلاع، وود لو ذهبت في دفاعي إلى سبيل غير الإنكار،
وأفصح عن ذلك بقوله: (فالإنكار مدته قصيرة، وعلماء الإسلام لا يزالون بخير
ينفون عن الدين كل ما أريد أن يلصق به) ثم ضرب لنا مثلا بقول الشيخ ابن عبد
الوهاب: اعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين (أحدهما) أن
الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء،
وأما في الشدة فيخلصون لله الدين ... إلخ كلامه.
وأقول: قد علمت أيها القارئ الكريم مما تقدم من كلامي وتكرر، ومن قول
الشوكاني الذي استشهد به الدجوي (والمتوسل بالعالم مثلا لم يدع إلا الله ولم يدع
غيره دونه، ولا دعا غيره معه) أن الكلام منحصر في التوسل الخلافي المشهور
بين العلماء، المحصور في دعاء الله وحده مع التوسل إليه بصالحي عباده؛ ولكن
الشنقيطي قد أغفل ذلك كله وتغاضى عنه، وجاءنا بتوسل آخر لا يعرفه إلا الغلاة
والجهال، وهو دعاء أهل القبور أنفسهم، والاستنجاد بهم، وطلب الغوث منهم،
لإنقاذ الغرقى وشفاء المرضى، ورد الغائبين، وإغاثة الملهوفين، وإعانة
المستعينين، وهذا لا يسمى توسلا بهم، بل هو دعاء لهم وطلب منهم، وهو خارج
عن موضوعنا السابق، وليس هو منه في شيء.
والعجب كل العجب كيف تغافل الأستاذ الشنقيطي عن كل ما سبق من كلامي
وكلام الدجوي والشوكاني وابن القيم وابن تيمية على كثرة تقريره وتكريره، وأغفل
ذكره وأتانا بشيء يجري على لسان بعض الجهلة المساكين أو الغلاة المستجدين،
ولا يقول به أحد من علماء المسلمين!! أهذا هو الذي أراد بمثله الأستاذ الشنقيطي أن
يفحمني ويلزمني الحجة، وهو أنه يوجد في كلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب أن
المشركين الأولين إذا وقعوا في شدة كخوف الغرق في البحر دعوا الله مخلصين له
الدين، وأن بعض أهل زمان الثاني إذا وقعوا في مثل ذلك دعوا من ألفوا دعوتهم
من المخلوقين، وهتفوا بأسمائهم مستجيرين مستغيثين؛ لينقذوهم من الضيق أو
ينجوهم من الغرق، أهذه هي الشواهد التي يقول إن كتب الشيخين طافحة بها،
ثم يرميني بإنكارها أو الغفلة عنها، ويقول إنه مستعد لأن يورد لي الكثير منها،
وأنا أقول حسبك هذا الشاهد الواحد وأنشد قول القائل:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
أيها الأستاذ الأمين ألم تقرأ قوله تعالى في وصف أهل الجاهلية: {فإذا ركبوا
في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} (العنكبوت: 65) وفي معناه آيات أخرى، وقوله سبحانه فيما قص علينا من أمر
فرعون: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى
إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من