العرب وما جاورها من طريق أهل الكتاب، ولهذا التكرار حكمتان: (إحداهما)
بيان هدايتهم الصحيحة التي شوهتها روايات اليهود والنصارى بما جهلت به حقيقة
دين الله وهدايتهم فيه بما يرجى تأثيره كما فصلناه في كتاب (الوحي المحمدي) في
بحث حكمة التكرار في القرآن، وفي بحث إصلاح الإسلام لتعاليم الرسل قبل محمد
عليه الصلاة والسلام. (ثانيهما) إقامة الحجة على إعجاز القرآن في أسلوبه
ونظمه وبلاغته كما ترى بيانه في تفسير هذا الجزء.
***
15- جمع القرآن على غير ترتيب النزول:
من المعلوم من تاريخ الإسلام بالإجماع أن بعض السور نزلت متفرقة في
أوقات مختلفة، وأنه كلما كملت سورة كان جبريل عليه السلام يقرئها النبي صلى
الله عليه وسلم كاملة، وكان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم أي يدارسه كل ما
تم من القرآن في كل سنة، وأنه في آخر سنة من عمره عارضه القرآن كله مرتين
بهذا الترتيب الذي لقنه لأصحابه ولكتبة الوحي، وكان يقرؤوه في الصلاة وغيرها،
ويحفظه كثير منهم ويقرؤونه بهذا الترتيب الذي في المصحف ولأجل هذا كتبوه،
وبه يظهر تناسبه والتئامه وإعجازه، ويسهل حفظه ومدارسته على الصغار والكبار،
فترتيب القرآن ترتيب توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى، ولا
يمكن جمعه بحسب النزول إلا بالنسبة إلى فائدة في كتابته على هذا الترتيب وخلط
السور الصغيرة بالكبيرة. وأما ترتيب آياته في كل سورة مما نزل متفرقا فمتعذر،
والتصدي لما علم منه ممنوع بالإجماع، وهو ضار غير نافع، فإن آيات الربا من
سورة البقرة، وقوله تعالى بعدها: ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ (البقرة:
281) الآية هي آخر الآيات نزولا، وأكثر السورة نزل عقب الهجرة. ولما
أنزلت هذه الآيات أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعها في مكانها؛ لمناسبتها لما
قبلها وما بعدها من الآيات المالية من الصدقة والدين. ولو وضعت مع آخر ما نزل
من السور لوضعت في سورة النصر، ولا مناسبة بينهما، فكل تغيير في القرآن
ضار، ومحرم بالإجماع.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">