عرضت فقال لي: وأنا كذلك، وقال مثل هذا في غيره مما اتفق وتشابه من
نشأتي ونشأته.
وقد طلبت من أعبد عباد شيوخ الطريق في عصرنا الشيخ أبي المحاسن محمد
القاوقجي أن يسلكني الطريق على أصولهم في الرياضة والخلوة والترقي في منازل
المعرفة، وصرحت له بأنه لا يعجبني أن أسلك طريقة الشاذلية الصورية بقراءة
أورادها وحضور اجتماع أذكارها، وكنت حضرت هذا عنده مرارا وحفظت حزب
البر بقراءته معهم، فاعتذر، وقال لي: يا بني إنني لست أهلا لما تطلب فهذا
بساط قد طوي وانقرض أهله، فرحمه الله رحمة واسعة.
ثم أخبرني صديقي الأستاذ العلامة الشيخ محمد الحسيني أنه قد ظفر بصوفي
خفي من النقشبندية يرى هو أنه وصل إلى رتبة المرشد الكامل فسلكت هذه الطريقة
معه وقطعت مراتب اللطائف كلها، ورأيت في أثناء ذلك كثيرا من الأمور الروحية
الخارقة للعادة كنت أتأول الكثير منها وعجزت عن تأويل بعضها، إلا أنها من
خصائص الروح التي تظهرها الرياضة وكثرة الذكر والفكر، ولكن هذه الثمرات
الذوقية غير الطبيعية لا تدل على أن جميع وسائلها مشروعة أو تبيح ما كان منها
بدعة كما حققت ذلك بعد.
كان الورد اليومي لي في هذه الطريقة ذكر اسم الجلالة (الله) بالقلب دون
اللسان خمسة آلاف مرة مع تغميض العينين وحبس النفس بقدر الطاقة، وملاحظة
ربط قلبي بقلب الشيخ، وهذا النوع من الذكر غير مشروع، بل هو مخالف لجميع
ما ورد في الذكر المأثور، وهذه الرابطة محل إنكار خاص عند علماء الشرع،
وهي مقررة في غير هذه الطريقة، وقد تكون بصفة مخلة بالعقيدة، إذا عبدت
عبادة شرعية، فإن مقتضى التوحيد أن يتوجه العبد في كل عبادة إلى الله وحده
حنيفا مسلما له الدين، فالتوجه فيها إلى الشيخ قد يكون من الشرك الخفي، وإن لم
يقصد به عبادته، وإنما يمكن تفسيرها بأنها ضرب من التربية الروحية الصناعية
المجربة في إظهار ما أودعه الله في النفس من الأسرار والسنن الإلهية المخالفة
للسنن المودعة في المادة، وبأن الرابطة فيها كالرابطة بين المقتدي وإمام الصلاة لا
يقصد بها شيء من إشراكه في عبادة الذكر، ولا تعظيمه بنوع من تعظيم عبادة
الرب، ولا تتضمن الاعتقاد بأنه قادر على شيء من النفع أو الضر، من غير
طرق الأسباب المشتركة بين الخلق، وإنما هي عندهم وسيلة سببية في ربط
الأرواح بعضها ببعض، من المريد إلى الشيخ فمن فوقه من شيوخ السلسلة إلى
النبي صلى الله عليه وسلم، فمن عدها عبادة شرعية فهو مبتدع بلا شك، وهذا
التوجيه لها قلما يخطر ببال أحد من سالكيها.
وجملة القول: أنني كنت أعتقد أن سلوك طريقة المعرفة وتهذيب النفس
والوقوف على أسرارها جائز شرعا لا حظر فيه، وأنه نافع يرجى به من معرفة
الله ما لا يوصل إليه بدونه، ولكنني لم أعتقد قط أن الشيخ الذي أرتبط به فيه قادر
على شيء مما تقدم، ولم أكن أستحضره ولا أتصوره في أثناء الذكر وإنما أتصور
عند البدء به أنني ربطت قلبي بسلسلة من القلوب المخلصة لله تعالى هو طرفها
الأدنى فزدت فيها حلقة جديدة، وأن هذه الرابطة لها تأثير في الإمداد الروحي كما
تصل مصباحا كهربائيا بالسلك الممتد إلى مولد التيار الشامل لمصابيح الدار كلها أو
البلد كله.
ومن الغريب أن الإنسان بعد طول الإكثار من هذا الذكر يصير يسمع للقلب
صوتا، وأغرب منها أن يسمع غيره صوت قلبه. أخبرتني والدتي -تغمدها الله
ووالدي برحمته ورضوانه- أنها وضعت أذنها مرة على صدر عمها السيد الشريف
الصالح عبد الرزاق حبلص فسمعت منه ترداد اسم الجلالة: الله، الله، الله. وقد
أدركت أنا عمها هذا وأنا صغير ولم أكن أعلم من أمر هذه الطريقة شيئا. وقد لقنني
الأستاذ بعد الانتقال من اللطائف كلها أو عند لطيفة السر الذكر بكلمة التوحيد باللسان.
(نسيت الآن) .
هذا ما أقول في الورد الشخصي والرابطة، وللطريقة النقشبندية ورد آخر