تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي تساعدهم على غرضهم الأساسي، وهو تجديد ملك يهودي يكون له النفوذ

الأعلى في العالم.

فهم الذين ثلوا عرش السلطان البابوي بقوة العلم والمال؛ لأنه كان يضطهدهم

في كل مكان، وهم الذين أضعفوا سلطان الحكم القيصري بمجلس الدوما أولا، ثم

قوضوه بالحكومة الشيوعية آخرا؛ لأنه كان يضطهدهم أيضا وهم الذين ساعدوا

جمعية الاتحاد والترقي على تقويض سلطان الخلافة التركية تمهيدا لتمكينهم من

امتلاك فلسطين لا لاضطهاد الترك لهم، فإنهم لم يضطهدوهم وهم الذي قوضوا

صرح القوة الألمانية في الحرب الأخيرة بما نفثوه من سموم الثورة في أسطولها

وفي جيشها وبما جاهدوا بأموالهم وكيدهم في حمل الولايات المتحدة على مساعدة

أعدائها الحلفاء عليها، ثم سعوا لنشر الشيوعية فيها حتى لا تقوم لها قائمة مسيحية

ولا قومية، وما كان هذا إلا خدمة لإنكلترة وجزاء على عهدها بلسان لورد بلفور

على تأسيس وطن قومي وملك يهودي في فلسطين، فكيدهم لألمانية كان ككيدهم

الدولة العثمانية، لا ككيدهم لدول اللاتين وللقيصرية الروسية، ومن الناس من يرى

أن إضعاف ألمانية وانتصار الحلفاء عليها كان خيرا للإنسانية وأنا أرى عكسه.

فأنت ترى أن هذا الشعب أفضل من جميع شعوب الأرض عزيمة ووحدة

وأثرة وذكاء، وإقداما وثباتا، واعتزازا بنفسه، وأما ضرره لغيره فهو يجري فيه

على ما تعلمه من شعوب أوربة لبعض، وشره ما كان من دفع الفاسد بالفاسد

ويجري على سنة الاجتماع البشري والطبيعي المسماة برد الفعل، وقاعدة إذا جاوز

الشيء حده، جاور ضده أو انقلب إلى ضده، ووفاقا للحديث المشتهر على ألسنة

العامة: (الظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه) . رواه الديلمي في مسند الفردوس

بلفظ (عدل الله) ولكن بغير سند، وقال الحافظ ابن حجر: إنه لا يعرف له رواية

غيره.

ولا يمكن أن يغلب على أمره إلا بقوة الحق والعدل والهدى التي كفل الله نصر

أهلها على من يقاومها، وهذه القوة لا توجد إلا في دين الإسلام دين القرآن وسنة

محمد عليه الصلاة والسلام، التي فتح بها خلفاؤه العالم وطهروا ما ظهروا عليه منه

من الوثنية والظلم والمنكرات وعبادة البشر من الكهنة والملوك، وقد بينا هذا

بالتفصيل في كتابنا (الوحي المحمدي) الجديد.

وقد تنبهت الشعوب اللاتينية والجرمانية للانتقام منهم، ولا يزال

الأنكلوسكسون ينتصرون لهم بسبب نفوذهم المالي، ولكن الدولة الإنكليزية هي التي

ستقضي عليهم القضاء الأخير، بمساعدتهم على تأسيس الملك اليهودي في فلسطين،

بظلم للعرب شديد وبغي فظيع، بالرغم من وعيد الله لهم على لسان رسله، ولا

سيما المسيح الحق ومحمد خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهما، وسيكون هذا

الجمع بين الظلم والبغي الإنكليزي والطمع اليهودي قاضيا على نفوذ إنكلترة في

الشرق خلافا لما يظنان، معجلا لحياة الأمة العربية خلافا لما يبغيان، بمقتضى سنة

رد الفعل في الاجتماع، بل عجل الله للإنكليز الانتقام بزوال نفوذهم المعنوي

وصيتهم الأدبي بفضيحتهم في فلسطين وسيتبعه النفوذ المادي ولو بعد حين، وأما

اليهود فهم على ما ذكرنا من مزاياهم قد سلبوا الاستعداد للملك بفقدهم لملكة الحرب

إذ قال فيهم: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ (البقرة: 96) وبشدة

أثرتهم المالية وعصبيتهم النسبية والدينية، التي بغضتهم إلى جميع شعوب البشر

مسودين، فكيف إن صاروا سائدين، وقد قال الله فيهم: {أم لهم نصيب من الملك

فإذا لا يؤتون الناس نقيرا} (النساء: 53) وقد ورد في أخبار نبينا الغيبية أنه

قال: (تقاتلكم اليهود فتظهرون عليهم حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم ههنا

ورائي يهودي تعال فاقتله) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

***

14- حكمة تكرار قصص بعض الأنبياء في القرآن:

إن هؤلاء الأنبياء الذين كرر القرآن ذكرهم هم الذين كانوا معروفين في بلاد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٤٠