تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقومه وإذلالهم لهم، وتعبر عنهم أسفار التوراة بالشعب الصلب الرقبة، حتى

انقرض في مدة التيه - وهي أربعون سنة - أولئك الأذلاء الجبناء الذي تربوا تحت

حجر الوثنية والعبودية، ونشأ فيه جيل جديد تربى في حجر الشريعة المؤسسة على

عقيدة التوحيد الخالص وآيات النبوة، وقشف البادية، فسلطهم الله على أولئك

الوثنيين المفسدين في بلاد فلسطين ونصرهم عليهم، وأدال لدين الله وشرعه من

عبادة الأوثان، فذلك قوله تعالى: {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين *

من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين * ولقد اخترناهم على علم على العالمين *

وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} (الدخان: 30-33) فالمراد بالعالمين

الذين اختارهم عليهم القبط والفلسطينيون الذين نصرهم عليهم، وأنشأ لهم ملكا

عظيما من بعد ذلهم.

ثم سلبهم الله هذا الملك بما كفروا من نعمه، وأشركوا في عبادته، كما بين

تعالى هذا في أول السورة التي سميت باسمهم؛ إذ قال: {وقضينا إلى بني

إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} (الإسراء:

4) إلى قوله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ (الإسراء: 8) وهو بيان لما

عوقبوا به من القتل والسبي مرة بعد أخرى، ولسنة الله فيهم بعد ذلك.

وقد انقضى كل ما كان لبني إسرائيل من التفضيل الديني على غيرهم إلى

الفرع الآخر من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهم العرب ببعثة محمد رسول

الله وخاتم النبيين الذي بشرهم الله تعالى به على لسان موسى وعيسى ومن كان

بينهما من النبيين كما بيناه بالشواهد الكثيرة في مواضع من تفسير المنار أوسعها

تفسير آية الأعراف: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا

عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم

الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (الأعراف: 157) من الجزء التاسع.

وقد بين الله لهم وللناس غرورهم بما كان من تفضيل الله لسلفهم من الأنبياء

والذين اهتدوا بهم بأنه ليس اختصاصا ومحاباة منه لهم لذاتهم أو لنسبهم بينه في

آيات منها قوله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم

يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} (المائدة:

18) الآية ومنها قوله: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون

الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم

بالظالمين} (الجمعة: 6-7) ومنها الآيات الكثيرة في لعنهم والغضب عليهم

ومقاصدهم وعقابهم. راجع في سورة المائدة (5: 41 -51 و58 -70و76 -

82) وغير ذلك في غيرها.

وأما ما يستنكره السائل من أعمالهم الإفسادية في العالم ولا سيما روسية

وألمانية، فحكمته أن الله تعالى ينتقم بقوتهم في التدبير المالي والمكر والكيد السري

(كالماسونية) من أشد شعوب الأرض ضراوة بالحروب، واستذلال الشعوب،

واستخدام دين المسيح لنقيض ما جاء به من الزهد والتواضع والإيثار، فلولا كيد

اليهود في ثل عرش ذلك السلطان الديني الدنيوي في أوربة لمحت العصبية

الصليبية آية الإسلام من الشرق كما محتها من أكثر أوربة، ولأطفأت نوره، ولما

وجدت هذه الحضارة المؤسسة على قواعد العلوم والفنون والحرية التي نفخها روح

الإسلام في الأندلس والشرق ثم انتقلت إلى إيطالية وفرنسة فسائر بلاد الغرب.

على أن الشعوب الأوربية الحربية بالطبع الموروث قد كفرت بنعم الله تعالى

في العلم كما كفرت من قبل بنعمته في هداية الدين، فهي تستخدمها في الاستعداد

لدك معالم الحضارة والعمران وإبادة بعض شعوبها لبعض، فاليهود يكيدون لهذه

الدول وشعوبها في شرق أوربة وآسية بالبلشفية، وفي غربها بخصيمتها الرأسمالية،

والغرض من الكيدين إزالة بغي القوة النصرانية ثم القوة المادية لشعوب أوربة إلا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٣٩