والدين، وأن منهم من اهتدى به عن بصيرة وبينة، ولكن ما كتبه هؤلاء كلهم لم
يكن مبينا لحقيقته كلها، ولم يطلع عليه إلا القليل من شعوبهم، وكان جل تأثيره في
أنفس من اطلعوا عليه أن بعض الناس أخطئوا في بيان تاريخ المسلمين فانتقد عليهم
آخرون، فهي لم تهتك الحجب الثلاثة المضروبة بينهم وبين حقيقة الإسلام.
وأما عدم فهمهم للقرآن كما يجب، وأعني به الفهم الذي تعرف به حقيقة
إعجازه وتشريعه، وكونه هو دين الله الأخير الكامل الذي لا يحتاج البشر معه إلى
كتاب آخر ولا إلى نبي آخر - فله أسباب.
الأسباب العائقة عن فهم الأجانب للقرآن:
(أولهما) جهل بلاغة اللغة العربية التي بلغ القرآن فيها ذروة الإعجاز في
أسلوبه ونظمه وتأثيره في أنفس المؤمنين والكافرين به جميعا، فأحدث بذلك ما
أحدث من الثورة الفكرية والاجتماعية في العرب والانقلاب العام في البشر، كما
شرحناه في هذا الكتاب، وقد كان من إكبار الناس لهذه البلاغة أن جعلها علماء
المسلمين موضوع تحدي البشر بالقرآن دون غيرها من وجوه إعجازه، وجعلوا
عجز العرب الخلص عن معارضته بها، ثم عجز المولدين الذين جمعوا بين ملكة
العربية العلمية وملكة فلسفتها من فنون النحو والبيان، هو الحجة الكبرى على نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم، وقد فقد العرب الملكتين منذ قرون كثيرة إلا أفرادا
متفرقين منهم - فما القول في غيرهم؟ فعلماء المسلمين في هذه القرون يحتجون بعجز
أولئك ولا يدعون أنهم يدركون سر هذا الإعجاز أو يذوقون طعمه، بل قال بعض
علماء النظر المتقدمين منهم: إن الإعجاز واقع غير معقول السبب، فما هو إلا أن
الله تعالى صرف الناس عن معارضته بقدرته والصواب أن منهم من حاول المعارضة
فعجزوا؛ إذ ظنوا أن إعجازه بفواصل الآيات التي تشبه السجع فقلدوها فافتضحوا،
ومن متأخري هؤلاء من ادعى النبوة كمسيح الهند القادياني الدجال، ومن ادعى
الألوهية (كالبهاء) وقد أخفى أتباع هذا كتابه الملقب بالأقدس؛ لئلا يفتضحوا به بين
الناس.
(ثانيها) أن ترجمات القرآن التي يعتمد عليها علماء الإفرنج في فهم القرآن
كلها قاصرة عن أداء معانيه التي تؤديها عباراته العليا وأسلوبه المعجز للبشر،
وإنما تؤدي بعض ما يفهمه المترجم له منهم، وقلما يكون فهمه تاما صحيحا،
ويكثر هذا فيمن لم يكن به مؤمنا، بل يجتمع لكل منهم القصوران كلاهما: قصور
فهمه وقصور لغته، وقد اعترف لي ولغيري بهذا مستر (محمد) مارما ديوك بكتل
الذي ترجمه بالإنكليزية وجاء مصر منذ 3 سنوات فعرض على بعض علماء
العربية المتقنين للغة الإنكليزية ما رأى أنه عجز عن أداء معناه منه، وصحح
بمساعدتهم ما ذاكرهم فيه.
واعترف بذلك الدكتور ماردريس المستشرق الفرنسي الذي كلفته وزارتا
الخارجية والمعارف الفرنسية لدولته بترجمة 62 سورة من السور الطول والمئين
والمفصل التي لا تكرار فيها ففعل. وقد قال في مقدمة ترجمته التي صدرت سنة
1926 ما معناه:
(أما أسلوب القرآن فإنه أسلوب الخالق جل وعلا، فإن الأسلوب الذي
ينطوي على كنه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيا. والحق
الواقع أن أكثر الكتاب ارتيابا وشكا قد خضعوا لسلطان تأثيره (في الأصل: لتأثير
سحره، يعني تأثيره الذي يشبه السحر في كونه لا يعرف له سبب عادي) وإن
سلطانه على الثلاثمائة الملايين من المسلمين المنتشرين على سطح المعمور لبالغ
الحد الذي جعل أجانب المبشرين يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة
محققة ارتد فيها أحد المسلمين عن دينه إلى الآن.
(ذلك أن هذا الأسلوب الذي طرق في أول عهده آذان البدو [1] كان نثرا جد
طريف، يفيض جزالة في اتساق نسق، متجانسا مسجعا، لفعله أثر عميق في نفس
كل سامع يفقه العربية (لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان
أداء تأثير هذا النثر البديع (الذي لم يسمع بمثله) بلغة أخرى، وخاصة اللغة