تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأولياء؟

(قلنا) : إن إغواء الشياطين لمن اختل عقله بشدة الجوع والخلوة والسهر

والتخيل كثير، وإن إيهام الشيطان لأحدهم أنه نبي أو ولي يكلمه أو يكشف له

الحقائق مع تمثله له بصورة نورانية أو بغير تمثل واقع، ولا يقتضي أن يكون قد

تمثل بصورة النبي الحقيقية، وقد نقل عن الولي الكبير الشهير المتفق عليه الشيخ

عبد القادر الجيلاني أنه قال: تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق وسمعت منه صوتا

يقول لي: يا عبد القادر أنت عبدي وقد أحللت لك المحرمات (قال) فقلت له:

اخسأ يا لعين، فتحول ذلك النور دخانا مظلما، وقال لي: قد نجوت مني بعلمك

بأمر ربك، وفقهك في أحوال منازلاتك، وقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من

أهل الطريق. فقلت: لله الفضل. فقيل له: كيف علمت أنه شيطان؟ قال: بقوله

قد أحللت لك المحرمات.

ومن ليس لهم من العلم بالشريعة مثل ما للشيخ عبد القادر يضلون بهذه الأنوار

الشيطانية، وهو لولا تلك الكلمة لاعتقد أن ذلك النور من تجلي الرحمن، وللشيطان

مع كبار الصوفية العرافين مناظرات ومجادلات. منها قوله لبعضهم وقد غاب اسمه

عني الآن: ألست أنا شيئا؟ قال الصوفي: بلى؟ قال: وإن الله تعالى يقول:

﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ (الأعراف: 156) فهي تسعني. قال: فقلت له:

اقرأ ما بعدها يا ملعون يعني: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ (الأعراف: 156)

الآية فقال: التقييد صفتك لا صفته.

وقد نقل عن بعضهم أنهم قالوا: إن التكاليف خاصة بغير الواصلين، وأما

الواصل الذي بلغ مرتبة اليقين فإن التكليف يرتفع عنه ويباح له كل شيء،

ويتأولون لهذا قوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (الحجر: 99)

وإنما اليقين في الآية الموت، وسيد الموقنين وأكملهم صلى الله عليه وسلم قد التزم

العبادة إلى أن توفاه الله ورفعه إلى الرفيق الأعلى.

ومن أولئك المفتونين بوحي الشياطين من ظن أنه تجاوز درجة الأنبياء،

ومنهم ابن سبعين الذي قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعا بقوله: (لا نبي بعدي)

ومثل هذا الكلام هو الذي جرأ ميرزا غلام القادياني على ادعاء النبوة.

وقد نقل النصارى ما هو أعظم من ذلك، عمن هو أعظم من أولئك، وهو

النبي المعصوم عندنا الذي أعاذه الله وأمه من الشيطان في اعتقادنا، وقد اتخذوه ربا

وإلها لهم؛ إذ ذكروا في أناجيلهم أن الشيطان قد جرب السيد المسيح وهو إمام

الروحانيين عليه السلام، فقد حملت به أمه بنفخة من روح الله جبريل عليه السلام،

وكانت آياته كلها روحانية، ففي الفصل الرابع من إنجيلي متى ولوقا أنه صام

أربعين يوما فجاع فأخذه الشيطان في تلك المدة وجربه عدة تجارب منها أنه أصعده

إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان، وطلب منها أن

يسجد له؛ ليعطيه ذلك كله فأجابه يسوع: اذهب يا شيطان إنه مكتوب (للرب إلهك

تسجد، وإياه وحده تعبد) .

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٤٨