تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الآية وما في معناها من سور النحل والفرقان والزمر والشورى وق تجدها كلها

في أهل الجنة وما لهم فيها من النعيم. وهم المؤمنون المتقون. فاغتنم هذه الحقيقة

العليا، فإنك ربما لا تجدها في كتب، واعتبر بما أذكره بعدها.

وأما ما قاله شيخنا في الروحاني الكبير الشيخ محيي الدين بن عربي فهو

موافق لما نقله لي علي بك شوقي وزير الترك المفوض في مصر عن والده شوقي

باشا الذي سبق ذكره قريبا.

زارني هذا الوزير إثر قدومه إلى مصر في هذا العهد لعلمه بما كان بيني

وبين والده وجده لأمه أحمد مختار باشا من الصداقة، فذكرت له أن والده كان

يحدثني بمناجاته للأرواح وحديثه مع السيدة مريم العذراء عن حملها بالسيد عيسى

المسيح عليهما السلام وغير ذلك، وأنه كان يكتب ذلك، فهل وجدتم في تركته ما

كتبه في هذه الشئون؟ قال: نعم.

وأخبرني أن مما قرأه فيه من مناجاة والده لروح الشيخ محي الدين بن عربي

أنه سأله عن منزلته في عالم البرزخ، فقال له: إن منزلته دون مقامه من معرفة

الله تعالى، وإن سبب ذلك أن اختلط عليه الأمر في عالم المثال، فكتب ما ضل به

كثير من الناس، فصاروا خصوما له عند الله تعالى، وكان من عقابه على ذلك أنه

حبس عن الارتقاء إلى المنزلة التي هي لمن كان له مثل معرفته، وأنه هو توسل

إلى خصومه ليعفوا عنه، فلم يقبلوا، وأنه يرجو أن يعفوا عنه في موقف الحساب

فيعفو الله عنه. اه.

هذا ما فهمته من السفير مما قرأه فيما كتبه والده، وسأبدي رأيي فيه وفي

أمثاله عندما أجد فرصة واسعة لكتابة بحث طويل في مسألة الأرواح التي تشغل

العالم المدني في هذا العصر، وأقتصر هنا على كلمة وجيزة اقتضتها الضرورة:

* * *

استحضار أرواح الموتى

وتلبيس الشيطان فيه

لا شك أن قليلا من الناس يرون بعض الأرواح في حالات مخصوصة

واستعداد خاص، وإن تربية الإرادة بالرياضة عند الصوفية أقوى وسائل هذه

الرؤية، وإن منها ما يستعين عليه الإفرنج بما يسمونه الوسيط من أولي الاستعداد

الفطري، وفائدة الرياضة والعمل الكسبي في ذلك صرف الإرادة عن الأشياء

الكثيرة المفرقة؛ لقوة إدراك النفس وتوجيهها إلى شيء واحد، والراجح عندي أن

أكثر هذه الأرواح التي يرونها هي أرواح الشياطين من قرناء أولئك لا الميتين

أنفسهم، وأن بعض الصوفية الذين كانوا يغيبون عن حسهم وعقلهم في رياضتهم

كانت تستهويهم الشياطين وتوحي إليهم ما يظنون أنه حقائق كوشفوا بها من الله

مباشرة أو من تلقين أرواح شيوخهم المعتقدين، فكل ما خالف الشريعة من كشفهم

فهو من الشيطان، ومنه ما يحكيه الشعراني عن السيد البدوي أنه كان يجمع أرواح

الميتين من البلاد المختلفة ويسوقهم إلى حضور مولده الذي هو مجمع البدع والفسق

والخرافات والضلال، ومنه ما يحكيه الشيخ محيي الدين بن عربي من كشفه الذي

تخيل به أن فرعون موسى كان من أكابر العارفين بالله وأوليائه المقربين عنده،

وإذا كان التيجاني من أصحاب الرياضات والأحوال فكل ما خالف الشريعة من

كلامه - وهو كثير- فهو من وحي الشيطان، وإن لم يكن منهم فهو كذب واختلاق

لكسب الشهرة والمال، وإن أسندوه إلى روح النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.

ولا يهولنك أيها المؤمن العاقل المتبع هذا القول فتستبعده على أناس نقلت

عنهم حكم حسنة معقولة، وأفهام في القرآن مقبولة، وأعمال أو أحوال روحية

خارقة للعادة، فقد قال علماء الكلام: إن خوارق العادات قد تقع للكفار والفجار،

وإنها تختلف باختلاف من تقع لهم، وقال بعض كبار الصوفية الراسخين المهديين:

إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء فلا تغتروا به أو لا تقتدوا به حتى تنظروا حاله

عند الأمر والنهي، وإنما العصمة عند أهل السنة للأنبياء في التبليغ عن الله عز

وجل دون أمور الدنيا، وكذا عن معصيته عز وجل.

(فإن قيل) : وهل تتمثل الشياطين بصورة الأنبياء عليهم السلام أو كبار

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٤٧