تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأول وقررت أمرين: (أحدهما: مطالبة الحكومة بأن تسن تشريعا حازما حاسما

يجتث بذور هذا الفساد، ويستأصل شأفة هذا المرض الوبيل الفتاك، كي يطمئن

المسلمون على الدين الإسلامي والقرآن المجيد، وكي يكون أولادهم وإخوانهم

وأقاربهم في مأمن من أن تصل إليهم يد بالاعتداء والإغراء لتحويلهم عن دينهم،

وقد عهدت الهيئة إلى رئيسها شيخ الجامع في تنفيذ ذلك.

والأمر الثاني: إصدار بيان إلى الأمة الإسلامية نشرت نصه، وخلاصته ذكر

مجمل مما نشر في الجرائد من أعمال هؤلاء الدعاة إلى التنصير والنصح للأمة

بالحذر وما يجب عليها من إحباط أعمالهم، وحثها على إنشاء مثل ما لهم من

المستشفيات والمدارس والملاجئ التي هي وسائل التنصير عندهم.

فأما هذا النصح فهو حسن، وهو أسهل ما يكتب وأهون ما يقال، وأما ذلك

التشريع الذي قرروا مطالبة الحكومة به فهو غريب غير معقول، ولن يكون له عند

الحكومة نصيب من القبول، ولا ندري كيف ينفذه شيخ الأزهر وهو أتبع للحكومة

من ظلها، وأغرب ما فيه جعل الغاية منه اطمئنان المسلمين على الدين الإسلامي

والقرآن المجيد، فهل ترى هيئة كبار علماء الأزهر أن المسلمين مضطربون

خائفون على زوال الإسلام والكفر بالقرآن، مما يبثه دعاة التنصير السفهاء من

الزور والبهتان؟ ثم هل تعتقد الهيئة (بارك الله فيها) كما يدعو شيخ الأزهر - أن

يزول هذا الاضطراب والزلزال، ويخلفه الأمن والاطمئنان، بتشريع حازم يضعه

مجلس الوزراء؟ وكيف يضع ما يعجز عن تنفيذه؟

ندع بسط الكلام في هذه المسألة إلى أن ينفذ شيخ الأزهر قرار هيئة علمائه إن

نفذه، وقبل الانتقال إلى غيره نقول: إن جميع مطاعن الكفار في القرآن لا يخشى

أن تصرف المسلمين عن هدايته وتحجب عنهم نوره بقدر معشار ما تفعله مجلة

مشيخة الأزهر (نور الإسلام) في تحريمها عليهم الاهتداء بهذا النور المبين؛

لزعمها أنه غير جائز إلا للأئمة المجتهدين، فإنها طعنت في الإمام الشوكاني أقبح

الطعن؛ لأنه أنكر على المقلدين العمل بكلام علماء مذاهبهم المخالف لكتاب الله

تعالى، وحثهم على تقديم كلام ربهم على كلام علماء مذاهبهم، وعدت هذا طعنا

منه في أئمة المذاهب، كأن مفتي هذه المجلة وناشر هذا الضلال فيها وهو من هيئة

كبار العلماء التي تريد حماية القرآن من المبشرين يرى أنه لا يوجد في كلام علماء

المذاهب ما يخالف القرآن إلا كلام أئمتهم، فامنعي أيتها الهيئة لكبار العلماء أفرادك

عن صد المسلمين عن هداية القرآن والاستضاءة بنوره قبل أن تطالبي الحكومة

بوضع شريعة تمنع المبشرين من عملهم وما هي بفاعلة.

وقع تأليف جمعية الدفاع عن الإسلام (من أحرار العلماء وزعماء الأحزاب،

وكبار الكتاب ومديري الجرائد المشهورة) كالصاعقة على رءوس الحكومات التي

تنتمي إليها جمعيات التنصير وتتولى حمايتها، وحسبوا ألف حساب لتنبيهها الشعور

الإسلامي العام لعداوة من يعادون الإسلام ويحقرونه ويحاولون إطفاء نوره،

وأعلنت الجرائد الإنكليزية الكبرى في عاصمتهم هذا الخوف، وظاهرتها الجرائد

الألمانية والأميركانية، ودب دبيبها إلى الجرائد اللاتينية، فاستولى الرعب على

الحكومة المصرية كدأبها مع الإفرنج عامة، والإنكليز خاصة، فبادرت إلى منع

(جماعة الدفاع عن الإسلام) من عقد الاجتماعات العامة لدعوة المسلمين إلى التعاون

على هذا الدفاع ببذل المال، وما يجب في ضمن دائرة القانون والاعتدال من

الأعمال، ثم منعت سائر الجماعات والخطباء من مثل ذلك، وأمرت مشيخة

الأزهر بتأليف لجنة من هيئة كبار العلماء تقوم بما تراه الحكومة من العمل الواجب

الذي لا يثير سخط الأجانب، فنفذت مشيخة الأزهر الأمر، ولم يلبث أن انكشف

الستر، وذاع السر، بما نشرته جريدة التيمس الإنكليزية الشهيرة، ثم بما فاه به

معالي وزير المعارف في خطبته المأثورة، وهكذا شأن المسلمين منذ حل غضب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٣٢