كل الأمور تبيد منك وتنقضي ... إلا الثناء فإنه لك باق
وحسن الخلق يشتمل على أمور كثيرة منها: معاملات الخلق بالإنصاف
والعدل ومنها: حفظ سمت العرب وأخلاقهم كما قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت
لأتمم مكارم الأخلاق) ومنها بذل النفس والمال والنصح في محاله ومواجبه.
(الأمر الثالث) الحزم في جميع الأمور: منها ما رواه بعض الأدباء عن
انحطاط دولة بني العباس فقال أحدهم للآخر: إنهم قربوا أعداءهم تأليفا لهم،
وأبعدوا أصدقاءهم وثوقا بهم، وخزنوا المال، وأهملوا الجند، وتركوا حقوق الناس،
فلما وقع الأمر، وادلهم الخطب، وثب عليهم عدوهم، وتباعد عنهم صديقهم،
وصار الجند في ضعف، ولم ينفع المال لفوات الفرصة.
ويجب الحزم في مواقف أهمها تقريب المتقدمين من جميع الأصناف سواء
منهم من كان قريبا أو بعيدا، وأخذ خواطرهم، وعدم تركهم سدى وإبعادهم بعلة
بسيطة لا تلحق بالدين ولا بالولاية، وأن يتألف من كان من الرعية على قدر عقله،
ويجلب خيره ويدفع شره، وأن تكون الحامية موجودة في كل محل ممن يوثق به
وثبتت بالتجربة أفعاله، وأن يؤمر الناس جميعهم بالمعروف وينهوا عن المنكر،
وأن يعاملوا بالعدل، ولا شيء أعدل من شريعة محمد، أما في الأمور التي تحيلها
الشريعة إلى الولاية فهذه ينظر فيها حسب المصلحة والأشخاص والأوقات بدون
تشنيع أو تنفير، وعدم مداهنة أو إرخاء العنان، والدليل على ذلك قوله تعالى:
﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل:
125) وقوله: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران:
159) .
ثم بعد ذلك تفهم أن كل شيء له حامية ومرجع، ومرجع المسلمين وحماة
دينهم علماؤهم، فالعلماء كالنجوم، زينة للسماء، وقدوة للسائرين، ورجوم
للشياطين، وليس العلماء في المقام على السواء، منهم من يؤخذ عمله ورأيه،
ومنهم من يؤخذ علمه ولا يناقش في الرأي؛ لأن أخذ الرأي من الكبير الذي يعرف
الأمور، وعدم العمل برأيه ليس بطيب، إنما يعمل مثل ما قال النبي صلوات الله
وسلامه عليه (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) [1] والعمدة على كل حال على ما
جاء في كتاب الله وسنة رسوله والسلف الصالح والخلفاء الراشدين، ومن حذا
حذوهم من الأمم ورؤساء المسلمين سابقا ولاحقا.
وعليك بحفظ العهود والمواثيق كما قال سبحانه وتعالى: {وأوفوا بالعهد إن
العهد كان مسئولا} (الإسراء: 34) سواء كان العهد مع بار أو فاجر، عملا
بقوله: ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ (الأنفال: 58) لأن الغدر مذموم في الشرع
وعاقبته وخيمة مع أي كان [2] .
ثم عليك أيضا النظر في مصالح المسلمين وولايتهم في الصلح والحرب وفي
جميع الحوادث، فما كان من التمادي فيه مصلحة للمسلمين أو كف شر، فهذا
واجب العمل به، وما كان منه سعي وراء طمع أو إرهاق للنفوس فيجب التروي
فيه كما قال الشاعر:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
وكما قيل:
وأحزم الناس من لم يرتكب عملا ... حتى يفكر ما تجني عواقبه
والتبصر والتفكر والتعقل مذكور في كتاب الله وهو المعول عليه.
ثم بعد ذلك عليك النظر في أقوال الناس وأهوائهم وآرائهم والتثبت في ذلك
كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا
قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (الحجرات: 6) فالتأني في تبين
أمور الناس والتفكر فيه وعدم العجلة به يظهر الحقيقة ويحل المشكل.
ثم بعد ذلك عليك النظر في حال النفس، وما تحتوي عليه من عز وشرف
ولذات، فهذا أمر شاق وجهاد كبير، ولا علاج له إلا ثلاثة أمور:
(الأول) التضرع إلى الله بقول: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي
فبالاستعانة به يكفى ابن آدم شر كل شيء.
(الثاني) يعرض الإنسان ما بدا له وما طمح إليه على كتاب الله وسنة
رسوله فما وافقهما عمل به وما خالفها تركه والله سبحانه خير عوض في كل حال