تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بين تكفير الشخص المعين، وتكفير من يقول كذا أو يفعل كذا من أقوال الشرك

والكفر وأفعال أهلهما، فالشخص المعين يراعى في حقه درء حد الكفر وتنفيذ

أحكامه عليه بالشبهات والتأول، ويقال فيمن لا يراعي ذلك إنه جريء على تكفير

المسلمين، وأما الذي يبين أحكام الردة للناس فلا يعترض عليه إذا فعل كثير من

الناس ما يكونون به مرتدين بحسب تلك الأحكام، ولا يقال إنه يكفر المسلمين. وبهذا

يظهر لك غلط الذين يزعمون أن مذهب الوهابية مبني على تكفير المسلمين ورميهم

بالشرك، بل لم يتورع بعض سدنة هياكل القبور المعبودة وأكلة نذورها الوثنية

وأوقافها الباطلة من وصف شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية بذلك، والواقع أن

الشيخ محمد عبد الوهاب وعلماء نجد من ذريته وغيرهم قد صرحوا بأنهم لا

يكفرون أحدا من المسلمين بشيء مما سماه فقهاء المذاهب الأربعة كفرا وردة إلا إذا

كان مجمعا عليه، وكان ابن تيمية من أشد علماء عصره وغير عصره احتياطا

وتدقيقا في مسألة التكفير حتى نقل عنه أنه يرى عوام عصره معذورين بجهل بعض

المسائل التي أجمع الفقهاء على التكفير بها لدخولها في جحود ما هو معلوم من الدين

بالضرورة؛ فإنه رأى أن بعض ما كان معلوما بالضرورة في القرون الأولى لم يعد

معلوما كذلك في عصره؛ لأن دعوة الإسلام على حقها لم تبلغ كل أهل ذلك العصر؛

وإنما كان مما امتاز به ابن تيمية أنه نبه المسلمين لما فشا في جهلتهم من الشرك

بالله تعالى بدعاء الصالحين والمعتقدين تعبدا فيما لا يطلب من غير الله تعالى، وقد

اعترف له بعض علماء عصره بذلك كالشيخ كمال الدين الزملكاني وقالوا إنه نبهنا

لشيء كنا غافلين عنه بسبب ألفته وكثرته، ونرى من أنكر عليه بعض المسائل

الاجتهادية منهم كالتقي السبكي لم ينكر عليه شيئا من ذلك.

(الكلمة الثانية) أن من أعظم الأسباب لترك كثير من المسلمين لإقامة دينهم

والعمل به كما كان سلفهم هو جعل الإسلام رابطة جنسية لا يشترط فيها أو لا

يراعى فيها علم ولا عمل، ولا يؤاخذ فيها أحد على ترك شعيرة ولا فريضة، ولا

على ارتكاب كبيرة، حتى الردة، فهي على كثرة وقوعها تمضي السنون، بل

القرون ولا ينفذ الحكام شيئا من أحكامها على أحد إلا نادرا، ولا سيما حكام الدولة

العثمانية والمصرية، فالحدود الشرعية كلها معطلة.

فكان مما امتاز به الإصلاح الديني في نجد إحياء الإسلام بالعلم والعمل والحكم.

ألفى الوهابيون أهل جزيرة العرب ولا سيما البدو قد فشا فيهم الشرك واستحلال

دماء الناس وأموالهم وترك الفرائض فنفذوا فيهم أحكام الشرع بالعلم والعمل

والعقوبات من حدود وتعزيرات، فكان هذا هو السبب لما أذاعته عنهم الحكومة

العثمانية وأنصارها بالتبع لها من تكفير المسلمين.

نعم إننا لا ننكر أن أهل نجد يسيئون الظن بأهل البلاد التي لا تنفذ فيها أحكام

الشرع، ولا يبالي أحد بتلقينهم عقائد الإسلام الصحيحة وأحكامه على مذاهب أهل

السنة ولا غيرهم، وإن منهم من لا يثق بدينهم فيطلقون عليهم لقب المشركين لما

يرونه من أعمال الشرك بغير نكير، وفي هذا الإطلاق شيء من الغلو المنكر كما

بيناه مرارا في المنار.

ولكننا لم نر حكومتهم في الحجاز وعلى رأسها القضاة من علمائهم نفذت أحكام

الردة على شخص بعينه لما بيناه من الفرق بين أحكام الردة العامة والإطلاق في

الإنكار، وبين تكفير الشخص المعين الذي يراعى فيه درء الحدود بالشبهات.

(الكلمة الثالثة) استطراد الأستاذ الشنقيطي في الرد على الأستاذ الدمشقي إلى

ما فعل الوهابية من القسوة في غزو الطائف وشرق الأردن، فنقول فيها إنها من

الأمور العملية التي لا يورد ما ثبت فيها من منكر إلا على من يبرئ الوهابية من

كل فعل منكر، ولا يكاد يسلم القتال من المنكرات الشرعية والقانونية عند أهلهما،

ولكن ما بال الأستاذ الشنقيطي لا ينكر على من يخدمهم ويدافع عنهم من أولاد الملك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٤٩