بالصوت الحسن الذي نعهده بالقراءة العربية؛ فإن من حكم هذا النظم البديع،
والفواصل التي هي مرتبة فوق مرتبتي الشعر والتسجيع أن يرتل بها القرآن بأنواع
النغم الذي يملك العقل والوجدان، وقد كانت تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم له
أقوى الأسباب لقبول الإيمان، واللغة التركية غير مستعدة لمثل هذه النغمات حتى
أنه ليس فيها من المد مثل ما في العربية.
ومن المعلوم عندنا بالبداهة أن هذه الحكومة اللادينية لا تقصد بمنع قراءة
القرآن بالعربية، ثم منع كتابة ترجمته بالعربية أن يفهم المصلون من شعبها ما
يقرءونه في الصلاة أو غيرها.
وأما التعبد بقراءة ترجمة القرآن لأجل تغذية الإيمان، والاعتبار والاتعاظ بما
فيه من الهدى والفرقان، فقد علم مما قلناه أنه لا يحصل بالترجمة الحرفية التي
أوجبوها؛ وإنما يرجى حصول شيء منه بالترجمة المعنوية التفسيرية التي يمنعونها.
وإن لديهم ترجمة منها لخصها بعض علمائهم من تفسير مطول بالتركية وافقت
عليه واستحسنته اللجنة الخاصة التي كانت مؤلفة من هيئتي تدقيق المؤلفات من قبل
مشيخة الإسلام التي ألفتها الحكومة الحاضرة ومن وزارة المعارف.
هذه الترجمة طبعتها ونشرتها المكتبة المعروفة في الآستانة باسم (سهولت
كتبخانه سي) سنة 1927 لصاحبها سميح لطفي أفندي، وكتب في طرتها ما يلي:
قرآن كريم ترجمة سي
توركجه مصحف شريف
(ملغا مشيخت ومعارف نظارتي تدقيق مؤلفات هيئتلري طرفندن متشكل
قومسيون مخصوصجه تدقيق وتقدير أولنان مفصل تفسير دان ملخص در) .
وكتب في رأس كل ورقة منه (توركجه قرآن كريم) وهذا خطأ عظيم.
ونظن أن هذه الترجمة أقرب إلى الصحة من سائر الترجمات التركية الحرفية
التي بينا بعض أغلاطها في المنار وفي الجزء التاسع من تفسيرنا وجمع في رسالة
مخصوصة وطبع وحده؛ ولكني لا أشهد بصحتها كلها ولا أكثرها لأنني لا أفهم
اللغة التركية، ومما رأيت فيها من الخطأ تفسير الحروف المفردة في أوائل بعض
السور ك (الم والمر وطس وحم) بما فسرها به بعض المفسرين من كونها مقتطعة
من أسماء الله المبدوءة بها.
ومن مزايا هذه الترجمة أن مترجمها وضع لها حواشي كثيرة لإيضاح ما يخفى
من معانيها لتوقف فهمه على معرفة سبب النزول أو بيان المجمل أو غير ذلك مما
يستحيل أن يفهم المراد منه بالترجمة الحرفية، ووضع في أثنائها جملا تفسيرية بين
أهلة للإيضاح أيضا.
فلو كانت الحكومة التركية تريد تسهيل فهم معاني القرآن على رعيتها المسلمة
لاكتفت بهذه الترجمة لمن يكتفي بالإجمال، وأباحت نشر ذلك التفسير التركي لمريد
التفصيل؛ ولكنها لم تفعل.
ومن المعلوم لنا باليقين أن تأثير القرآن المنزل في تغذية الإيمان، وتزكية
نفس الإنسان، وخشوعه لعظمة الديان، واتعاظه بما فيه من الهدى والفرقان،
وقصص الرسل عليهم الصلاة والسلام، مما لا يمكن الوصول إلى معشاره بقراءة
أي ترجمة له بأي لسان، وسيأتيك شرح هذا وأدلته بأوضح بيان.
وأما الاعتماد على هذه الترجمة التركية الرسمية المقترحة - ولما تتم - في
معرفة عقائد الإسلام وقواعده واستنباط الأحكام الشرعية منه فهو أبعد عن التصور
والتصديق مما قبله؛ فإن الاستنباط الصحيح من القرآن لا يكون إلا من نصوصه
المنزلة من عند الله تعالى من عليم بلغته: مفرداتها وأساليبها، وما فيه من مجمل
ومبين ومطلق ومقيد، وحقيقة ومجاز وكناية، وأسباب نزول لا يفهم المراد بدونها،
وبيان السنة لما أمر الله تعالى رسوله ببيانه منها، وكتب السنة كلها ممنوعة
بلغتها العربية وباللغة التركية أيضا، إلى غير ذلك مما سنفصله بعد في تحقيق
الكلام في الترجمة.
وناهيك بترجمة تركية واللغة التركية أضيق اللغات المدونة المعروفة في مادتها
الأصلية؛ فإن أكثر مصادرها عربي وفارسي، وهم يستعملون العربي منها كثيرا
في غير ما يستعمله العرب، وقد حاولوا من زهاء ربع قرن أن يستبدلوا بالألفاظ