تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيقول له صلى الله عليه وسلم: (هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة من

قريش تأكل القديد) [3] فكان يهون على الناس مهابته بالمبالغة في التواضع فينهى

عن الغلو في تعظيمه وعن الوقوف بين يديه، وكان كما قال هند بن أبي هالة: من

نظر إليه بديهة هابه، ومن عاشره معرفة أحبه، وكما قال ابن الفارض:

بجلال حجبته بجمال ... هام واستعذب العذاب هناكا

ومن شواهد مهابته صلى الله عليه وسلم ما رواه الشيخان عن زينب الثقفية

امرأة عبد الله بن مسعود، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقن

يا معشر النساء ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت: إنك

رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فائته

فاسأله؛ فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال عبد الله: بل ائته

أنت، فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتها

حاجتي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة فخرج علينا

بلال فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب

تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره

من نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له

رسول الله: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله صلى

الله عليه وسلم: أي الزيانب؟ قال امرأة عبد الله بن مسعود فقال: لها أجر القربة

وأجر الصدقة) .

وكان قومه العرب أوسع الأقوام حرية وأجرأهم على العظماء لعدم وجود ملوك

جبارين فيهم يستذلونهم، ولا رؤساء دينيين يربونهم على الخضوع لهم، فكانت

آداب أتباعه معه صلى الله عليه وسلم دينية وازعها نفسي لا قهري ولا عرفي،

وتعاليمهم فيها مستمدة من كتاب الله تعالى، ومن سنته صلى الله عليه وسلم والتأسي

به، ولهذا كانت في كمالها ونقصها تابعة لقوة الإيمان وسعة العرفان، وكان فيهم

الأعراب الجفاة، والمنافقون العتاة، ومرضى القلوب، وكان الجميع يدخلون بيوته

ويتحدثون إلى أزواجه في أي وقت من ليل أو نهار.

كان هذا الأمر يثقل عليه وعلى علماء الصحابة وفضلائهم وكان عمر بن

الخطاب من أشدهم غيرة وجرأة وحزما أو أجمعهم لهذه الصفات على أكملها، فكان

يطالب النبي صلى الله عليه وسلم بحجبهن عن الرجال، فمن ذلك ما رواه البخاري

ومسلم وغيرهما عن أنس قال: (قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إن

نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله

آية الحجاب) أي: فكان هذا مما وافق رأيه القرآن.

وروى الطبراني بسند صحيح عن عائشة قالت: (كنت آكل مع النبي صلى

الله عليه وسلم في قعب [4] فمر عمر فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأكل فأصابت

أصبعه أصبعي، فقال: أوه لو أطاع فيكن ما رأتكن عين) وروى البخاري ومسلم

وغيرهما من حديث أنس قال: (لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب دعا

القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك

قام وقام من القوم من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فإذا القوم

جلوس فرجع، ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم

قد انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله

آية الحجاب)

آية الحجاب وسبب نزولها

{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير

ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن

ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا

فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول

الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} (الأحزاب:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٢٦