تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النبي صلى الله عليه وسلم! ولم يرو هذا عنه أحد من حفاظ الحديث في الصحاح ولا

في السنن ولا في المسانيد المعروفة، والفرس لم ينتشر فيهم الإسلام في عصر

النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه علة في متن الحديث زائدة على كونه لا يعرف له

سند يحتج به، ومن المعهود في بعض كتب الفقه ولا سيما كتب الحنفية ذكر بعض

الأحاديث الضعيفة وكذا الموضوعة، ونقل النووي لهذا القول في كتابه المجموع في

فقه الخلاف لا يعد دليلا على أنه روي بسند صحيح ولا سقيم كما توهمه بعضهم،

وهو لم يقل هذا والحكم مخالف لمذهبه، على أن النووي ليس من حفاظ الحديث

الذين عنوا بروايته وتدوينه؛ وإنما هو فقيه عالم بالحديث يرجع في نقله والحكم

عليه إلى مخرجيه من أصحاب دواوين السنة ويقل غلطه فيما يعتمده من تحقيقهم.

أقوى الشبهات للقائلين بترجمة القرآن

بيد أن الشبهة النظرية التي قبلها كثير من الناس الذين ليس لهم هوى في تأييد

الحكومة التركية من عصبية جنسية، ولا نعرة إلحادية، هي أن الإسلام دين عام

خاطب الله تعالى به جميع البشر المختلفي اللغات، ومن غير المعقول ولا الممكن

عندهم أن يكلف الله تعالى كل أمة وكل شعب أعجمي أن يترك لغته ويتعلم العربية

لأجل أن يمتثل ما أمره به من الاهتداء بكتابه وتدبره والاتعاظ به وامتثال ما فيه من

الأوامر والنواهي؛ وإنما المعقول الممكن (بزعمهم) أن يترجم القرآن لكل قوم

بلغتهم لأجل تبليغهم الدعوة إلى الإيمان به أولا، ثم تعليم من آمن منهم ما أوجبه

وما حرمه الله عليهم فيه، وتغذية الإيمان بتدبره والتعبد بتلاوته.

ومن لا ينكر منهم أن تكليف الشعوب توحيد لغة دينها ممكن، ولا أنه وقع

بالفعل يقول إن شعوب الأعاجم لم يمتثلوه بل حافظوا على لغاتهم، وحرموا من

هداية القرآن نفسه اكتفاء بأحكام الإسلام التي دونها لهم علماؤهم بلغاتهم، فالخير

لهم أن يترجم لهم القرآن فيستفيدوا من أخباره وحكمه وأحكامه ومواعظه، وإن

خلت الترجمة من تأثير بلاغته، وروعة أسلوبه ونظمه، وما تدل عليه عبارته

العربية من إعجازه، على أنه لم يعد أحد يفهم هذا منه بزعمهم.

هذه هي المسألة الوحيدة التي راجت شبهتها في سوق القائلين بجواز الترجمة

أو وجوبها، ولم نر أحدا اقتنع بما حاول خصومهم دحضها به، وقد التجأ بعضهم

إلى علماء الأزهر فنشروا رأيهم؛ ولكن لم يوجد في كلام أحد منهم ما يشفي الغليل،

ويقيم الحجة على أن الإسلام جعل العربية لغة المسلمين كافة وأوجبها عليهم.

ولقد كثر علي المقترحون بأن أكتب في المسألة ما يحق الحق ويبطل الباطل

بما يزيح الشبهة ويكشف الغمة، كما تعودوه مني في أمثال هذه المشكلة، فكنت

أحيلهم على ما كتبته من قبل في المنار وفي الجزء التاسع من تفسير القرآن الحكيم،

وقد جمع وطبع في رسالة مستقلة يسهل على غير مقتني مجلدات المنار والتفسير

مراجعتها، بيد أنني رأيت بعضهم يقول إنه لا بد من كتابة مقال جديد في المسألة

فاستجبت لهم.

إنني لا أجادل ولا أماري أحدا من أولئك الكاتبين، ولا أتوخى الرد على قول

من أقوالهم بالمناقشة في لفظه؛ وإنما أتحرى بيان الحق الذي ينطبق على الواقع،

فأبدأ بكلمة تختص بحظ الشعب التركي من هذه الترجمة، ثم أبين كيف كان تبليغ

الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن ودعوته إلى الإسلام، وكيف كانت سيرة

خلفائه الراشدين ودول الإسلام وأئمته في نشر هذا الدين، وكيف اهتدى به العرب

والعجم، وكيف يدعو النصارى إلى دينهم أيضا، وهل تتوقف دعوة الإسلام على

ترجمة القرآن، أو دعوة النصرانية على ترجمة كتب العهد القديم والعهد الجديد عند

النصارى؟

ثم أبين معنى كون اللغة العربية هي لغة الإسلام، التي لا يتم بدونها كون

المسلمين من الشعوب المختلفة أمة واحدة كما قرر القرآن، وكون أفرادها إخوة في

الدين كما وصفهم القرآن، وأقيم الحجة على إمكان هذا ووقوعه بالفعل، وعلى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٤١