جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما
يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه) وهذا متفق عليه من
حديث أبي ذر، وفي حديث أبي هريرة عند الجماعة كلهم ما يقتضي استحباب
جلوس الخادم مع سيده على الطعام، وقال أنس: كانت عامة وصية رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: (الصلاة وما ملكت
أيمانكم) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي.
بل مضت سنة المصلح الأعظم العملية في السبايا أن يعتقن ويتزوج بهن
معتقوهن كما فعل صلى الله عليه وسلم بعتق صفية الإسرائيلية وتحرير جويرية
العربية وتزوجه بهما وجعلهما من أمهات المؤمنين ليستن به غيره، وتقدم ذكر ذلك
في أسباب تزوجه بهما.
وحث على ذلك ورغب فيه بقوله: (أيما رجل كانت عنده وليدة - وفي رواية
جارية - فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله
أجران) والحديث متفق عليه [*] ، وتقدم ذكره في تعليم النساء.
نعم إنه صلى الله عليه وسلم تسرى بمارية القبطية وهي من رقيق أهل الكتاب؛
لأنه أقر أهل الكتاب على أنكحتهم ورقيقهم، وقد اتخذ التسري بها ذريعة للوصية
بأهل مصر إذ تفتح بلادهم لأصحابه وعلل ذلك بأن لهم (ذمة ورحما) ولو عاش
إبراهيم ولده منها لكانت أمه به سيدة نساء هذه الأمة.
والحكمة العامة المقصودة من التسري في الإسلام هي حكمة الزوجية نفسها،
وحق النساء فيها أن يكون لكل امرأة كافل من الرجال لإحصانها من الفحش،
وجعلها أما تنتج وتربي نسلا للإنسانية، إلا ما يشذ من ذلك بأحكام الضرورة.
فليتأمل النساء والرجال من جميع الأمم والملل هذا الإصلاح الإسلامي والهدي
المحمدي في تكريم المرأة وحفظ شرفها حتى التي ابتليت بالرق هل يجدون مثل هذا
في دين من الأديان أو قانون من القوانين؟ وهل يمكن أن يوجد في بلد تقام به
شريعة الإسلام مواخير للفجور واتجار بأعراض الجنس اللطيف الضعيف؟
أرأيت أيها المحيط خبرا بتاريخ الأمويين في الأندلس والعباسيين في الشرق لو
وجد الآن بلد في الدنيا تعيش فيه السراري كما كن يعشن في بغداد وقرطبة
وغرناطة، ألا تهاجر إليه ألوف الأيامى والبنات من أوربة ليكن سراري عند أمثال
أولئك المسلمين إن صح عندهم استرقاقهن؟ فكيف لا يتمنين أن يكن أزواجا لهم مع
التعدد؟ ألا يفضلن هذه المعيشة على ما تعلمه من عيشة مواخير البغاء الجهرية
والسرية، ومن عيشة الأخدان المؤقتة السيئة العاقبة على الجسم بعد ذهاب الشرف
وجميع مزايا البشر؟ دع الاتجار بهن وسوقهن من قطر إلى آخر كقطعان الخنازير
والغنم.
هذا وإننا قبل طبع هذه الكراسة قرأنا في بعض الصحف أنه صدر حكم قضائي
نهائي في باريس بأنه يجوز للرجل أن يوصي بما شاء من تركته لمعشوقته التي
يستريح معها ويجد من عنايتها ما لا يجد من زوجته الشرعية، والشر يعقب الشر.
ألا فليتأمل النصارى في أحكام الرق في الإسلام، والرق في التوراة والإنجيل
وحينئذ يوقن العاقل المستقل الفكر منهم أن ما جاء به الإسلام أعدل وأفضل وأكمل،
فهو إما وحي مكمل لما قبله، وإما أن رأي محمد صلى الله عليه وسلم أعلى وأكمل
من وحيهم! !
ها هي ذي شريعة التوراة تبيح للعبراني أن يستعبد أخاه العبراني ويسترقه
بثلاثة أسباب (أحدها) الفقر، فكان يبيع نفسه ليوفي دينه [7] (ثانيها) السرقة
فهو يسترق جزاء ما سرقه، إذا لم يجد مالا يعوض به المسروق [8] (ثالثها) بيع
الوالدين لبناتهم ممن يتسرون بهن [9] ، وأما استعباد العبراني للأجنبي فقد كان يكون
بالأسر في الحرب وبالابتياع من النخاسين كما كان عند الوثنيين، وليس فيهما ما في
الإسلام من أحكام الرقيق وحقوقه والوصايا فيه، وقد ذكرنا بعضها هنا.
وها هي ذي الديانة المسيحية لم تنسخ شيئا من أحكام هذا الرق والعبودية