التسري في أوروبا جاء مضرا بالنساء والأولاد المرزوقين من التسري، وقولهم هذا
قاصر على النظر في الأمر من هذه الوجهة بقطع النظر عن مخالفته للدين اه.
هذا ما كتبه الأستاذ مسيو جان ديفهلي في القرن الماضي وأن حال بلاد الإفرنج
كلها في هذا القرن لشر مما كانت عليه قبله في تجارة الأعراض، وكثرة سبايا
الرقيق الأبيض؛ ولكن فرنسة جعلت أولاد الزنا بالأخدان كالأولاد الشرعيين في
إثبات النسب والإرث كما رأينا في بعض الصحف.
كل ما أثبته هذا الكاتب المؤرخ القانوني عن التسري وما في معناه في الشعوب
الأوروبية وغيرها فهو من أفظع الجرائم والإهانة للنساء وإلقاء هذا الجنس اللطيف
الضعيف في مواخير الفحش والفساد، وبؤر الأدواء والأمراض، أفهذه هي الشعوب
التي حررت النساء؟ أم هذا هو القرن العشرون الذي كرمت مدنيته النساء؟ كلا إن
نساء الإفرنج ما أخذن حقا من حقوقهن المهضومة إلا بقوة العلم وقوة الإرادة وقوة
الاجتماع التي اكتسبتها بتأثير التربية والتعليم العام، كما أن الشعوب الأوربية ما نالت
حقوقها السياسية من ملوكها ونبلائها إلا بالقوة القاهرة، وستضطرهم قوة النساء
واستقلالهن إلى ما هو شر لهم ولهن كالبلشفية، أو ما هو أضر، وأدهى وأمر، من
فوضى الحياة الزوجية وانهيار بناء الأسرة، وقلة النسل المفضي إلى الانقراض إلا أن
ينقذ الله هذه الحضارة بهداية الإسلام.
الإسلام هو الذي قرر جميع الحقوق الإنسانية وخص النساء بالعطف والتكريم
فقال نبيه: (ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم) على حين لم تكن
الشعوب ترفعهن فوق الحيوانية، إلا إلى الرق والعبودية، وإنني أبين بكلمة
مختصرة حكم الإصلاح الإسلامي المحمدي لهذا المرض الاجتماعي البشري.
47- التسري الصحيح في الإسلام
كل ما كانت عليه الأمم القديمة، وكل ما عليه الأمم الحاضرة من التسري
واتخاذ الأخدان فهو في شرع الإسلام من الزنا المحرم قطعا الذي يستحق فاعله أشد
العقاب، وكل من يستبيح هذا الفجوز الخفي وما هو شر منه من السفاح الجلي فهو
بريء من دين الإسلام.
وأما التسري الشرعي المباح في الإسلام فهو خاص بسبايا الحرب الشرعية إذا
أمر إمام المسلمين الأعظم خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم باسترقاقهن؛ وإنما
يكون له أن يأمر بذلك إذا ثبت عنده بمشاورة أهل الحل والعقد أن المصلحة فيه
أرجح من المن عليهن بالعتق ومن افتداء أسرى المسلمين وسباياهم بهن إن وجد
عند الأعداء سبايا وأسرى منا، فليس الاسترقاق واجبا في الإسلام؛ ولكنه يباح إذا
كان فيه المصلحة التي لا يعارضها مفسدة راجحة، ولكل حكومة إسلامية أن تمنعه
بل منعه من مقاصد الإسلام العامة، والاسترقاق المعهود في هذا العصر للسود
والبيض كله باطل في الإسلام، فالتسري بالنساء اللاتي يختطفهن النخاسون، أو
يبيعهن الآباء والأقربون، أو يغريهن التجار والقوادون، كله عصيان لله ولرسوله.
تلك الطريقة الشرعية لوجود السبايا في بلاد المسلمين، وهل يرتاب عاقل
عادل في أن الخير لهن إن وجدن أن يتسرى بهن المؤمنون، فيكن في الغالب
أمهات أولاد شرعيين كسائر الأمهات الحرائر؟ فإن الجارية التي تلد لسيدها تعتق
بموته إذ لا يصح ولا يجوز في الشرع أن تكون مملوكة لولدها بمقتضى إرثه لوالده،
وفي بعض الآثار أنه يحرم بيعها منذ ولادتها؛ ولكن لا تجب لها أحكام الزوجية
المعروفة بيد أنها قد تكون أحظى عند الرجل بأدبها وقلة تكاليفها وعدم تحكمها
كالزوجة التي تدل بحقوقها الشرعية والاعتزاز بأهلها.
هذا هو المعهود في السراري في الإسلام وأقل أحوالهن أن يكن كالزوجات في
حصانتهن وشرفهن وضمان رزقهن وحفظ كرامتهن، فمن وصايا مصلح البشر
ونبي الإنسانية في الرقيق أن يعبر عن الذكر بالفتى لا بالعبد، وعن الأنثى بالفتاة لا
بالأمة وهو في الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: (هم إخوانكم وخولكم