53) .
حاصل معنى الآية نهي المؤمنين عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم
على أزواجه كما كانوا يفعلون لأجل الطعام أو الكلام أو غيرهما من الحاج [5] إلا
في حال الإذن لهم ودعوتهم منه، أو من قبله إلى طعام ناضج حاضر غير منتظرين
لأناه - أي نضجه - حتى لا يطول مكثهم فيها، قال: ولكن إذا دعيتم إليه والحال ما
ذكر فادخلوا، فإذا طعمتم أي أكلتم الطعام فانتشروا، أي اخرجوا وتفرقوا بلا تريث
ولا بطء كما يدل عليه العطف بالفاء، ولا تدخلوها مستأنسين لحديث أي طالبين
للأنس والتسلية بالكلام مع أهلها ولا بينكم فيها، فمنع دخولهم لأجل الطعام إلا بدعوة
إليه بشرطها، ومنع دخولهم لأجل الكلام مطلقا، وعلل المنع بأن ما كان من دخولهم
بيوته ومكثهم فيها كان (يؤذي النبي) أي يؤلمه ولم يقل (يؤذيه) للتذكير بأن إيذاءه
بصفة النبوة أعظم من إيذائه بصفته الشخصية، وإنه لفرط حيائه وأدبه كان يخفي
عنهم أذاه وألمه منهم، فلا يصرح لهم به ولا يعمل بموجبه فينهاهم عن الدخول
والمكث] والله لا يستحيي من الحق [أي لا يمتنع أن يظهره بالإخبار به والأمر
بالتزامه والنهي عما ينافيه؛ لأنه تعالى لا يعرض له الانفعال البشري الذي يمنع
الإنسان عن مواجهة غيره بما يكره.
ولما كان هذا المنع لدفع الأذى عن الرسول لا لحرمان المؤمنين من الانتفاع
من أزواجه بما اعتادوا أن يطلبوه من بيوته قال:] وإذا سألتموهن متاعا [
وهو كل ما ينتفع به من ماعون وغيره، ومثله السؤال عن العلم بالأولى] فاسألوهن
من وراء حجاب [أي ستر مضروب دونهن بحيث يسمعن ما تطلبون من غير
مواجهة ولا استئناس في المخاطبة، وعلله بقوله:] ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن [
أي ذلكم السؤال من رواء حجاب، أو الذي ذكر كله من نهي وأمر بشرطهما] أطهر
لقلوبكم وقلوبهن [من الخواطر الطبيعية، والوساوس الشيطانية، التي يثيرها تلاقي
النساء والرجال، واسترسالهما في حديث الاستئناس وشجونه، واختلاف الأفهام
والتأويلات فيه.
] وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله [وما كان من شأنكم
ولا مما يصح أن يقع منكم أيها المؤمنون إيذاء رسول الله بحال من الأحوال؛ لأن
تعمد إيذاءه ينافي الإيمان، فوجب أن يتقى وتسد ذرائعه] ولا أن تنكحوا أزواجه
من بعده أبدا [فإن الله تعالى جعلهن أمهات لكم، وجعله أولى بكم من آبائكم بل من
أنفسكم، وكل صحيح الإيمان يشعر من نفسه بأن رسول الله أجل في قلبه من أمه
وأبيه وأحب إليه من نفسه التي بين جنبيه، ومن لوازم إجلاله وإجلال حلائله
وإحلالهن من قلبه محل الكرامة الدينية الروحية، البعيدة عن شعور الشهوة الجنسية،
بأشد من صرف إجلال الأم الجسدية للنفس عن اشتهائها، فكيف يسمح له وجدانه
الديني أن يحل من إحداهن محل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أوليست ذكرى
الرسول عند إرادة قربه منها - إن حصل - كافية لإثارة عاطفة الحياء منه والإجلال
له الصارفة له عن ملامستها؟ بلى والله، ولكن روي عن بعض المنافقين ومرضى
القلوب أنهم تحدثوا بنكاح فلانة وفلانة من أمهات المؤمنين بعد وفاته صلى الله عليه
وسلم، فبين الله تعالى في هذه الآية أن هذا ليس من شأنه أن يقع من المؤمنين ليعلموا
أن من يتحدث به لا يكون إلا من المنافقين؛ فإن قوله تعالى:] وما كان لكم [نفي
للشأن لا لمجرد الفعل وهو يقتضي نفي الفعل بالدليل، وإن كل مؤمن ليشعر في كل
زمن بأن إيذاء الرسول ونكاح بعض أزواجه ينافي الإيمان بأنه رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وقد أكد ذلك بما يدل على الوعيد الشديد على مخالفته فقال: {إن ذلكم
كان عند الله عظيما} (الأحزاب: 53) أي: خطبا عظيما وحوبا كبيرا.
فعلم من نص الآية ومما ورد في سبب نزولها أن الأمر بحجاب أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم قد كان لتقرير ما يجب على المؤمنين من توقيره وتعظيم
حرمته، وسد منافذ الذرائع دون كل ما يكون من إيذائه، وقطع طرق الشبهات