تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.79

قوله تعالى: ﴿ فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ﴾؛ معناه: فأعرض صالح عنهم حين عقروا الناقة، وعرف أن العذاب يأتيهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم في أداء الرسالة إليكم، ﴿ ولكن لا تحبون النصحين ﴾؛ أي من ينصح لكم.

قال ابن عباس: (فخرج صالح ومن معه من المؤمنين؛ وهم مائة وعشرة؛ حتى إذا فصل من عندهم وهو يبكي، التفت خلفه فرأى الدخان ساطعا، فعرف أن القوم قد هلكوا، وكان عددهم ألفا وخمسمائة. فلما هلكوا رجع صالح ومن آمن معه، فسكنوا ديارهم حتى توالدوا وماتوا فيها).

فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ فتولى عنهم وقال يقوم ﴾ عطف على قوله:

فأصبحوا في دارهم جاثمين

[الأعراف: 78]؛ فكيف تكون الصيحة بعد هلاكهم؟ قيل: إن الفاء في قوله: ﴿ فتولى عنهم ﴾ للتعقيب والإخبار لا لترادف الحال، وهذا راجع إلى حال عقرهم الناقة، لكن الله ساق القصة في أمرهم إلى آخرها، ثم عطف على ذلك ما فعله صالح للكشف عن عذره في مسألة إنزال العذاب بهم بعد كثرة نصحه لهم وإصرارهم على فعلهم. وجواب إخوانه لا يمنع أن صالحا قال هذا القول بعد هلاك القوم ليعتبر بذلك من كان معه من المؤمنين.

فصل: وقصتهم ما حكاه السدي وغيره: (أن عادا لما هلكت عمرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض، فنزلوا فيها وكثروا، وكانوا في سعة من عيشهم، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحا من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله عز وجل حتى شمط وكبر ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون.

فلما ألح عليهم في الدعاء والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لقوله، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فأشاروا له إلى صخرة منفردة من ناحية الحجر، وقالوا له: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة جوفاء عشراء، فإن فعلت آمنا بك وصدقناك.

فأخذ عليهم صالح عليه السلام المواثيق، ففعلوا، فصلى ركعتين ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت وانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء، كما وصفوا وهم ينظرون، ثم نتجت سقياء مثلها في العظم، فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم.

فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء، فكانت ترد الماء غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر يقال لها بئر الناقة، فما ترفعها حتى قد شربت كل ما فيها، لا تدع قطرة واحدة، ثم ترفع رأسها فتنفشج كما تنفحج لهم، فيحلبون ما شاءوا من لبنها، فيشربون ويدخرون، ويملأون آنيتهم كلها، ثم تصدر من على الفج الذي وردت منه؛ لأنها لا تعد أن تصدر من ماء ترد لضيقة.

قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة، فوجدته ستين ذراعا.

وكانوا إذا جاء يومهم وردوا الماء فيشربون ويسقون مواشيهم، ويدخرون من الماء ما يكفيهم اليوم الثاني، فكانوا كذلك، وكانت الناقة إذا رأتها مواشيهم تنفر منها، وكانت الناقة ترعى في وادي الحجر، فكبر ذلك على أهل المواشي منهم، فاجتمعوا وتشاوروا على عقر الناقة.

وكان في ثمود امرأة يقال لها: صدوق، وكانت جميلة الخلق غنية ذات إبل وبقر وغنم، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام، وكانت تحب عقر الناقة؛ لأنها أضرت بمواشيها، فطلبت من ابن عم لها يقال له: مصدع، وجعلت له نفسها إن عقر الناقة، وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالا، فأجابها إلى ذلك. ثم طلبت قدار بن سالف، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه ولد زنى، ولكنه ولد على فراش سالف، فقالت له: يا قدار؛ أزوجك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان منيعا في قومه، فأجابها أيضا.

فانطلق قدار ومصدع فاستغووا غواة ثمود، فأتاهم تسعة رهط، فاجتمعوا على عقر الناقة، فأوحى الله إلى صالح: أن قومك سيعقرون الناقة. فقال لهم صالح بذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل. ثم تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله. وقالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده قتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، فإذا رجعنا قلنا: ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون؛ أي يعلمون أنا خرجنا في سفر لنا.

التفسير الكبير · الصفحة ٦٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٦٧٥