تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.16

قوله تعالى: ﴿ قال فبمآ أغويتني ﴾؛ أي فبما أضللتني عن الهدى، ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾؛ أي لأرصدن على طريق بني آدم، وأصدهم عن دينك المستقيم. وقال الحسن: (معنى: ﴿ أغويتني ﴾ لعنتني). وقيل: ﴿ أغويتني ﴾ خيبتني، وقد يكون الغوى بمعنى الخيبة. وقيل: ﴿ أغويتني ﴾ أي أهلكتني.

7.17

قوله تعالى: ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ﴾؛ قال ابن عباس: (معناه: أن إبليس قال: لآتينهم من قبل آخرتهم؛ فلأخبرنهم أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب). ﴿ ومن خلفهم ﴾؛ أي من قبل دنياهم؛ فلآمرنهم بجمع المال مخافة الفقر وأن لا يؤدوا حقه، ﴿ وعن أيمانهم ﴾؛ أي من قبل دينهم فأبين لهم ضلالتهم، وإن كانوا على هدى شبهته عليهم حتى أخرجهم منه، ﴿ وعن شمآئلهم ﴾؛ أي من قبل اللذات والشهوات فأزينها لهم، ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾؛ لنعمتك.

وقال السدي: (معنى: ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ﴾ أراد الدنيا أغويهم إليها، ﴿ ومن خلفهم ﴾ فمن الآخرة أشككهم فيها وأبعدها عليهم، ﴿ وعن أيمانهم ﴾ قال: الحق أشككهم فيه، ﴿ وعن شمآئلهم ﴾ قال: الباطل أخفيه عليهم وأرغبهم فيه).

وقيل: أراد بقوله ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من جهة الحسنات أغفلهم عنها، ﴿ وعن شمآئلهم ﴾ يعني من جهة السيئات، فإن الحسنات تضاف إلى اليمين، والسيئات تضاف إلى الشمال. وقيل: معنى الاية: ثم لأحتالن في إغوائهم من كل وجه. قال قتادة: (أتاك يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لا يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة ربك، إنما تأتيك الرحمة من فوقك).

وقال شقيق بن إبراهيم: (ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي. أما ما بين يدي؛ فيقول لي: لا تحزن فإن الله غفور رحيم، فأقول: ذلك لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.

وأما من خلفي؛ فيخوفني الضيعة على ذريتي ومن خلفي، فأقول: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. وأما من قبل يميني؛ فيأتيني من قبل النساء، فأقول: والعاقبة للمتقين. وأما من قبل شمالي؛ فيأتيني من اللذات والشهوات، فأقول: وحيل بينهم وبين ما يشتهون).

وإنما ذكر (من) في قوله: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ وذكر (عن) في قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ﴾ لأن القدام والخلف يكون لابتداء الغاية، والغاية تذكر بحرف (من). وأما جهة اليمين والشمال فإنها تكون للانحراف، فذكرها ب (عن).

فإن قيل: من أين علم إبليس أنه لا يكون أكثرهم شاكرين؛ أي أكثر الناس شاكرين؟ قيل: إنه ظن بهم ظنا، فوافق ظنه مظنونه، كما قال تعالى:

ولقد صدق عليهم إبليس ظنه

[سبأ: 20]. وإنما ظن ذلك؛ لأنه لما تمكن من استزلال آدم وحواء؛ علم أن أولادهما أضعف منهما، فيكون تمكنه منهم أكثر.

التفسير الكبير · الصفحة ٦٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٦٤٤