تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد وأصحابه، فالزرع محمد صلى الله عليه وسلم، والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، وكانوا في ضعف وقلة كما كان أول الزرع دقيقا ثم غلظ وقوي وتلاحق، وكذلك المؤمنون قوى بعضهم بعضا حتى استغلظوا واستووا على أمرهم، ﴿ ليغيظ بهم الكفار ﴾؛ أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين.

قوله تعالى: ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾؛ قال الزجاج: (منهم) للجنس وليس يريد بعضهم، لأنهم كلهم مؤمنون، والأجر العظيم هو الجنة).

49 - سورة الحجرات

49.1

قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾؛ أي لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به، وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾: (أي تصوموا قبل أن يصوم نبيكم صلى الله عليه وسلم) ﴿ واتقوا الله ﴾؛ في تضييع حقه ومخالفة أمره، ﴿ إن الله سميع ﴾؛ لأقوالكم، ﴿ عليم ﴾؛ بأفعالكم، وقال جابر: (نزل قوله تعالى: ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة).

وقالت عائشة رضي الله عنها: " نزلن في النهي عن صوم يوم الشك)، وعن مسروق قال: (دخلت على عائشة رضي الله عنها في يوم الشك، فقالت للجارية: اسقيه، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزل ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾.

وعن الحسن البصري قال: (نزلت هذه الآية في الذبح يوم الأضحى، كأنه قال: لا تذبحوا قبل ذبح النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: فأمرهم أن يعيدوا الذبح).

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سبب نزول هذه الآية:

" أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا من أصحابه وهم سبع وعشرون رجلا، وأمر عليهم المنذر بن عمرو، وأمرهم أن يسيروا إلى بني عامر بن صعصعة، وأن يمروا على بني سليم، فباتوا عندهم، فلما كان عند الرحيل، أضل أربعة من المسلمين بعيرا لهم، فاستأذنوا المنذر أن يتخلفوا عنه حتى يطلبوه، فأذن لهم.

وسار المنذر بمن بقي معه، وكانت بنوا سليم دست إلى بني عامر خبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستعدوا لقتالهم واجتمعوا لهم، فسار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة، فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل المنذر وأصحابه، وقتل أحد الأربعة ورجع الثلاثة إلى المدينة، فلقوا رجلين خارجين من المدينة فقالوا: مما أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فقالوا: إنهما من عدونا، فقتلوهما وأخذوا سلبهما.

وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا له القصة، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " بئسما فعلتم، إنهما من أهل ميثاقي من بني سليم، وهذا الذي معكم من سلبهما من كسوتي ".

وجاء السليميون يطلبون القود، فقال لهم النبي صلى الله عليه سلم: " إن صاحبيكم اعتزما إلى عدونا، فلا قود فيهما ولكنا نؤدي إليكم الدية " فأمر عليه السلام أن تقسم ديتهما على أهل ميثاقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ".

والمعنى: لا تقدموا بقول ولا فعل حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يأمركم في ذلك.

وقيل: إن ناسا كانوا يقولون: لو أن الله تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا، فقيل: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، فإن الله أعلم بصلاح خلقه.

وقرئ (لا تقدموا) بفتح التاء والدال، فيجوز أن يكون معناهما واحدا، يقال: قدمت في كذا وتقدمت فيه، كما يقال عجلت في الأمر وتعجلت فيه بمعنى واحد، ويجوز أن يكون معنى الضم: لا تقدموا كلامكم ولا فعلكم وما أنتم صانعون في أمر من الأمور قبل أن يأمركم الله ورسوله. ومعنى قراءة الفتح لا تقدموا بأمر ولا فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأمركم به.

التفسير الكبير · الصفحة ١٨٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٨٤٨